وبذلك يكون السيوطي متناقضا في موقفه التطبيقىّ عمّا قرّره نظريّا .
6 - كان موقف ابن مالك مختلفا ، حيث عنى في كتبه بنقل لغة لخم وخزاعة وقضاعة وغيرهم ، وقد اعترض عليه أبو حيان قائلا : « ليس ذلك من عادة أئمة هذا الشأن » 750 .
ثانيا : النطاق الزماني :
لقد كان ظهور الإسلام حدثا عظيما ، صحبته تغييرات في حياة العرب - في القيم ، والعلاقات ، والأخلاقيات ، والأفكار - وكان له أثره العام والخاص على اللغة 751 . يقول يوهان فك : « لم يحدث حدث في تاريخ اللغة العربية أبعد أثرا في تقرير مصيرها من ظهور الإسلام ، ففي ذلك العهد - قبل أكثر من 1300 عام - عندما رتّل محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - القرآن على بنى وطنه بلسان عربى مبين ، تأكدت رابطة وثيقة بين لغته والدين الجديد ، كانت ذات دلالة عظيمة النتائج في مستقبل هذه اللغة 752 » .
وكان نتيجة لذلك أن قسّم علماؤنا - عليهم رحمة اللّه - الشعراء إلى طبقات ، ووضعوا فترة محددة تؤخذ فيها اللغة ، ولا يعتدّ بما جاء بعدها .
وهذه الطبقات هي :
الطبقة الأولى : الجاهليون : أمثال امرئ القيس وزهير .
الطبقة الثانية : المخضرمون : أمثال حسان بن ثابت والحطيئة وكعب بن زهير .
الطبقة الثالثة : الإسلاميون : أمثال جرير والفرزدق ، وتنتهى هذه الطبقة بإبراهيم بن هرمة ، وهو - كما ذكر السيوطي - آخر الحجج 753 .
الطبقة الرابعة : المولدون : وقد رجع الأمر فيها إلى موقف علماء اللغة من الاحتجاج بشعر تلك الطبقات ؛ فكان أبو عمرو بن العلاء ( ت 154 ه ) يصف شعر الطبقة الثالثة بأنه مولّد ومحدث - أي لا يحتجّ به - مع إبداء إعجابه به - فكان يقول : « لقد أحسن هذا المولد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته 754 » ، يعنى شعر جرير ( ت 110 ه ) والفرزدق ( 110 ه ) وأشباههما . وقد روى عنه - أيضا - أنه كان لا يعتدّ إلا بالشعر الجاهلي ، ويبدو ذلك فيما يقوله عنه الأصمعي ، يقول : « جلست عليه ثماني حجج فما سمعته يحتج ببيت إسلامىّ 755 » .