والمدح والذّم . وقد رأينا أن يونس كان يشير إلى بعضها في توجيه قراءة
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ *
( 2 ) . غير أن الخليل قام بعملية التعميم فيها ، منبها على الفرق بين ما هو استئناف ، وما هو طلب ، وسنرى تطبيق الفكرة عند سيبويه .
ومن هذه العوامل الخليلية ، نزع الخافض ، وهو لا يعمل إلا النصب ، ومنها كذلك « التوهم » الذي سبق ذكره في معرض الحديث عن أبي الخطاب . وقد زاده الخليل شرحا واستعمالا ، وبه فسر عدة استعمالات منها مثلا قول الشاعر :
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا * أو تنزلون فإنا معشر نزل « 1 »
وقال إن العربي في بعض الأحيان يتوهم أنه تلفظ بما كان ينبغي أن يقول وبذلك يفرق الخليل بين الخلط ، والخطأ ، والتوهم .
هذا وإن فكرة تنوع العوامل عنده جعلته يجيز عدة احتمالات في توجيه الإعراب . فلك مثلا أن تقول : هذا رجل صدق معروف ( أو معروفا ) صلاحه .
تنصب « معروفا » على الحال ، وترفعها نعتا . ومن هذا النوع ، « يا زيد الطويل ، ويا تميم أجمعون أو أجمعين » « 2 » .
وموجز القول أن الخليل جمع ثروة ضخمة من علوم اللغة ، اكتسب أصولها باستيعاب كل ما استطاع أن يسمع ، ونماها بتفكير أتاح له أن يستنبط ما لم يسمع . لقد تلقى معلومات أبي عمرو بن العلاء في المسموع ومعارف ابن أبي إسحق الحضرمي في المقاييس النحوية ، فصاغ الجميع في شكل علم متكامل محكم الصنعة فاخترع للغة معجما شاملا وجعل من النحو علما قائما .
واقتسم النحويون من بعده هذه الثروة ، فكان نصيب الأسد منها لتلميذه الفذ سيبويه الذي ملأ حياضه من معين الخليل . وإذا كان هذا التلميذ ظل وفيا لأستاذه . معترفا بفضله ، ومصرحا بما أخذ عنه ، ولم يخالفه إلا في مسائل قليلة
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ، ج 3 ص 51 .
( 2 ) سيبويه : الكتاب ، ص 184 .