وبعد كثير من المحاولات والجهود والتنقيح استطاع إنشاء نظام منطقي ، أدرج في هياكله خلاصة القواعد النحوية ، والجديد في هذا النظام هو الدقة في الحدود والتعريفات ، ومحاولة التفسير المنطقي للظواهر اللغوية حتى يتم انسجامها في النسق العام للنظريات العامة للمدرسة البصرية .
وتتمثل الدقة في تعريفه للكلام بزيادة الإفادة « بالوضع » ، فقال إنه « اللفظ المركب المفيد بالوضع » . وهذا ما عبر عنه ابن مالك في التسهيل بقوله « في اللغة لفظ دال بالوضع وفي الكلام ما تضمن من الكلم إسنادا مفيدا مقصودا لذاته » ، كما اخترع الفرق بين الكلام و « الكلم » « 1 » إذ عرف هذا الأخير بأنه :
الاسم ، والفعل ، والحرف . وقد تبعه ابن مالك في قوله ، في الخلاصة : حيث قال : « واسم وفعل ثم حرف الكلم » .
ثم إن تعريفاته المتكررة للاسم تدل على جهده للوصول إلى حد منطقي جامع مانع . والمقارنة بينه وبين سابقيه في هذا العمل تبين نتائج هذا الجهد .
فحد الاسم عند سيبويه كان تمثيلا بالرجل ، والفرس والحائط . وهي في ما يعني الإنسان والحيوان والجماد . ثم نرى نوعا من التجريد عند المبرد ، قائلا :
فأما الأسماء فواحدة ، فكل ما دخل عليه حرف من حروف الجر فهو اسم ، وإن امتنع من ذلك فليس باسم » . وإن المبرد تنبه إلى فكرة المعنى المجرد ، إلا أنه لم يزد في التمثيل سوى الأعلام وأضاف السمات النحوية الخاصة بالاسم ، ثم إن ابن السراج زاد على المبرد بقوله : الاسم ما دل على معنى مفرد ، وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص . فالشخص نحو رجل وفرس وحجر ، وبلد وعمرو وبكر ، وأما ما كان غير شخص فنحو الضرب والأكل والظن ، والعلم ، واليوم والليلة والساعة « 2 » ، ثم سبق أن رأينا التعريف الوظيفي عند الزجاجي « 3 » .
وحينما نصل إلى أبي موسى ، نراه يعطي تعريفا مجردا يفرق أساسا بين
هامش
( 1 ) الجزولية ، ص 3 .
( 2 ) الأصول ، ص 36 .
( 3 ) راجع ص 171 من هذا الكتاب .