كما انتقد الجاحظ في استدلاله على رأيه المشهور في ضعف علة النحوي ، ببيت الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى * وإنما العزة للكاثر
إذ قال الجاحظ إن في هذا البيت تكذيبا لقول النحويين إن « أفعل » المؤنثة بفعلى ، لا تجمع فيها « أل » مع « من » وردّ ابن جني أن « من » في هذا الموضع ليست تلك التي تصاحب أفعل التفضيل نحو : من هو أحسن منك ، وإنما هي مثل « أنت من الناس حر » . وقد أراد الشاعر ، لست من بينهم بالكثير الحصى ، ولست فيهم بالأكثر حصى « 1 » .
ويتضح التقارب بينه وبين الأصوليين في هذه البحوث ، حينما يرفض العلة القاصرة حيث يقول إن بناء الكلمة على حرفين لا يمكن أن يصلح علة لبناء اسم مثل « كم » بسبب انتقاضها بوجود « يد » ونحوها « 2 » .
وهكذا نرى أن ينطبق على ابن جني ما يقال في تفسير اسم والده ، فلقد كان من عباقرة النحاة الذين وسموا تاريخه بمنظومة من الأفكار المتطورة ، والتي قربت بين الدراسات اللغوية والنحوية ، واعتمدت منهجا جديدا متميزا عن طريق دعاة المنطق الأرسطي مستلهما آليات المنهج الأصولي عند المتكلمين بواسطة المقارنة وباستعمال مصطلحاتهم المعروفة ، فاستطاع ابن جني أن يصوغ نظريات لغوية نحوية وعد بها الخليل في إشاراته التعليلية ، وقدم ابن السراج عنوانها دون أن يسير على دربها ، وحرر الزجاجي طرفا منها لكن عمله بقي جزئيا ، حتى انتزع ابن جني من تعاليم شيخه العملاق أبي علي الفارسي ، أصولها في نسق يكاد يكون متكاملا .
ثم جاء دور ابن الأنباري الذي أعطى لهذا المنهج شكله النهائي حينما استنسخ منه صورة مطابقة للنظام الأصولي ، ولو أنه في هذه المحاولة ، لم ينل مرضاة جميع النحويين الذين ظلوا متشبثين بنحو الفروع إلى أن حقق لهم ابن
هامش
( 1 ) نفس المصدر : 1 / 184 - 186 .
( 2 ) نفس المصدر : 1 / 169 .