فبإفساحه لمجال القياس في النثر والشعر ، من جهة وضبطه لحدوده من جهة أخرى اتبع طريقا وسطا وسلوكا يتسم بالتوازن والاعتدال ، يسوقه فيه منهجه القياسي الذي أعطاه وسائل التجريد والتعميم ويقوده اطلاعه الواسع على نصوص العربية الصحيحة وحذقه لأساليب العرب في استخدامها .
ح ) التعليل :
وفي حديثه عن العلل ، تقرب ابن جني من مذهب المتكلمين ، وقال إن العلل النحوية أقرب إلى عللهم « 1 » ، وإن مرجعها العام هو الثقل والخفة ، ومثل لذلك بأمثلة في التصريف والإبدال « 2 » ، فمن دقة ملاحظته ، اعتباره لخصوع القواعد اللغوية للسعي إلى سهولة التلفظ ، ثم بيّن الفرق بين العلة والسبب ، قائلا : إن العلة مبناها على الإيجاب ، مثل نصب الفضلة ، وإن السبب علة الجواز مثل حكم الإمالة « 3 » . ورد على ابن السراج في كلامه عن علة العلة في مثل قول القائل ، ما هي علة رفع الفاعل ؟ ولم صار الفاعل مرفوعا ؟ فذكر ابن جني أن هذا من باب شرح العلة وتتميمها لا من باب العلة « 4 » .
وقد استدل البعض على ضعف حجية النحوي في قولهم برفع الفاعل ونصب المفعول وجر المجرور بأن قد نجد الأمر على خلاف ذلك فنجد الفاعل منصوبا في نحو « إن زيدا قام » ونجد المفعول مرفوعا في « ضرب زيد » كما نجد المجرور مرفوعا في نحو
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[ الروم / 4 ] .
وقد انتقد ابن جني هذا وقال إنه هراء ولغو وإن قائله لا يفرق بين الفاعل اصطلاحا والفاعل في المعنى والمفعول في حال كونه فضلة أو لا وحال الإعراب وحال البناء .
هامش
( 1 ) الخصائص : 1 / 48 - 145 .
( 2 ) نفس المصدر : 1 / 49 .
( 3 ) نفس المصدر : 1 / 164 .
( 4 ) نفس المصدر : 1 / 173 .