ج ) موقفه من القراءات :
لقد رأينا أن علماء النحو اعتمدوا القرآن ، مادة لعلمهم ، واستشهدوا بمئات الآيات ، ومنهم من صرح بأن القراءة سنة وأن ما صح منها ، من أي طريق ، يعتبر أساسا للوجه الصحيح في اللغة .
لكن بعضهم وقف من هذه القراءات موقف المجتهد المصوّب ، فإذا لم تكن القراءة تعبر عن القواعد التي استنبطها من اللغة يصرح بأنها لحن ، ولو كانت من القراءات السبع المتواترة عن الأمة بالإجماع ، أو القراءات العشر المتواترة عند القراء .
وكان بعض نحاة البصرة من بين الذي نصّبوا أنفسهم مهيمنين على تصويب القراء أو تخطئتهم . واشتهر أبو عثمان المازني بهذا الموقف ، وتبعه المبرد الذي سمح لنفسه أن يرفض بعض القراءات السبعية ، مثل قراءة حمزة في الآيتين الكريمتين :
وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ
( إبراهيم - الآية 22 ) « 1 » بكسر الياء ، وقوله تعالى :
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
( النساء - الآية 1 ) بكسر الميم « 2 » .
وادّعى أن قراءة
ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ
( الكهف - الآية 25 ) خطأ غير جائز في الكلام وإنما يجوز في الضرورة « 3 » ، كما نمى للخطأ من قرأ « آيات » بالنصب في قوله تعالى :
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( 5 ) ( الجاثية ) « 4 » .
ومن الغريب أن ينسب المبرد إلى أهل المدينة قراءة شاذة في قوله تعالى :
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
« 5 » ( هود - الآية 78 ) « بفتح الراء والمعروف أن
هامش
( 1 ) المقتضب ، ج 5 ص 2 .
( 2 ) المقتضب ، ج 3 ص 453 .
( 3 ) المقتضب ، ج 2 ص 171 .
( 4 ) المقتضب ، ج 4 ص 195 .
( 5 ) المقتضب ، ج 4 ص 103 .