يؤثر فصله عن معموله ؛ وقد يأتي مركبا ولا يعطل ذلك عمله ، غير أن رأيه في قوة العامل ، لم يصاحبها التركيز على العلل فهو يصف الظاهرة اللغوية دون المبالغة في التعليل . وإنما يطلق حقائقها إطلاقا لا إسراف فيه ولا تكلف « 1 » .
وإذا كان الأخفش محل نقاش وجدل في آرائه ومذاهبه ، فإن النحويين مع ذلك مجمعون على سعة علمه وذكائه . فكان الكسائي يقول فيه إنه لم يكن في القوم ( يعني البصريين ) ، أعلم منه ، وأنه نبههم على عوار الكتاب وتركهم « 2 » .
ويقول الفراء أنه سيد أهل اللغة ، وأهل العربية . وحينما علم بعزمه على الخروج إلى الري قال : « لئن كان خرج فقد خرج معه النحو كله والعلم بأصوله وفروعه » « 3 » .
8 - ترسيخ المذهب البصري عند أتباع الأخفش واستكمال التدوين :
بعد الأخفش يبرز عالمان كان لهما دور متميز في ترسيخ المذهب البصري ، هما أبو عمرو صالح بن إسحاق الجرمي ، وأبو عثمان بكر بن محمد المازني .
لقد قرآ الكتاب على أبي الحسن الأخفش وسمعا منه مسائله ، وخذا اللغة عن الثلاثي المشهور عبد الملك بن قريب الأصمعي ، وأبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري ، وأبي عبيدة معمر بن المثنى .
لقد تتلمذا للأخفش ولكنهما لم يصانعاه في أمور كثيرة ، فحملا عنه أمانة رسالة الخليل وسيبويه إلى أتباعهم ، وأسهما في تمحيص الكتاب ، وتبيينه وتدريسه .
أ ) الجرمي ( ت 225 ه ) :
لقد كان الجرمي ، مثل ما يقول المبرد ، أثبت الناس في « الكتاب » وكتب عنه
هامش
( 1 ) الورد : منهج الأخفش ، 334 - 364 .
( 2 ) أبو الطيب اللغوي : مراتب النحويين ، ص 112 .
( 3 ) الإنباه ، 2 / 39 .