تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
من تدبير الأمور ، فهي بدل منها . ولا شك أنك لحظت أن الجملة الثانية مفصولة عن الأولى في كل مثال من الأمثلة الثلاثة ، ولا سر لهذا الفصل سوى ما بينهما من تمام التآلف وكمال الاتحاد « 1 » . ولذا يقال إن بين الجملتين كمال الاتصال . تأمل مثالي الطائفة الثانية تجد الأمر على العكس ، فإن بين الجملة الأولى والثانية في كل مثال منتهى التباين وغاية الابتعاد ، فإنهما في المثال الرابع مختلفان خبرا وإنشاء . وهذا جلى واضح . أما في المثال الخامس فلأنه لا مناسبة بينهما مطلقا إذ لا رابطة في المعنى بين قوله : « وإنما المرء بأصغريه » وقوله : « كل امرئ رهن بما لديه » ، وهنا تجد الجملة الثانية في كل من المثالين مفصولة عن الأولى ، ولا سر لذلك إلا كمال التباين وشدة التباعد « 2 » ، ولذلك يقال في هذا الموضع إن بين الجملتين كمال الانقطاع . انظر إلى المثال الأخير تر أن الجملة الثانية فيه قوية الرابطة بالجملة الأولى ؛ لأنها جواب عن سوال نشأ من الأولى ، فكأن أبا تمام بعد أن نطق بالشطر الأول توهم أن سائلا سأله ، كيف لا يحول حجاب الأمير بينك وبين تحقيق آمالك ؟ فأجاب : « إن السماء ترجّى حين تحتجب » فأنت ترى أن الجملة الثانية مفصولة عن الأولى ، ولا سر لهذا الفصل إلا قوة الرابطة بين الجملتين ، فإن الجواب شديد الارتباط والاتصال بالسؤال فأشبهت الحال هنا من بعض الوجوه حال كمال الاتصال التي تقدمت ، ولذلك يقال إن بين الجملتين شبه كمال الاتصال .
هامش
( 1 ) لأن الجملة الثانية هنا إما أن تكون بمعنى الأولى أو بمنزلة الجزء منها كما رأيت ، وهذا يقتضى ترك العطف لأن الشئ لا يعطف على نفسه ، والجزء لا يعطف على كله . ( 2 ) إنما وجب ترك العطف هنا لأن العطف يكون للجمع بين الشيئين والربط بينهما . ولا يكون ذلك في المعنيين إذا كان بينهما غاية التباين .