تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
( 6 ) وقال أبو تمام :
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا * إنّ السّماء ترجّى حين تحتجب « 1 »

البحث :

يقصد علماء المعاني بكلمة « الوصل » عطف جملة على أخرى « بالواو » « 2 » كقول الأبيوردى يخاطب الدهر :
العبد ريّان من نعمى تجود بها * والحرّ ملتهب الأحشاء من ظمأ « 3 »
ويقصدون بالفصل ترك هذا العطف ، كقول المعرى :
لا تطلبنّ بآلة لك حاجة * قلم البليغ بغير حظّ مغزل
هذا ولكل من الفصل والوصل مواطن تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام ، وسنبدأ لك بمواطن الفصل : تأمل أمثلة الطائفة الأولى تجد بين الجملة الأولى والثانية في كل مثال تآلفا تامّا ، فالجملة الثانية في المثال الأول ، وهي « إذا قلت شعرا أصبح الدّهر منشدا » لم تجئ إلا توكيدا للأولى ، وهي جملة « وما الدهر إلا من رواة قصائدى » ، فإن معنى الجملتين واحد . والجملة الثانية في المثال الثاني « بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم » ، ما جاءت إلا لإيضاح الأولى « الناس للناس من بدو وحاضرة » ، فهي بيان لها ، والجملة الثانية في المثال الثالث جزء من معنى الأولى ؛ لأن تفصيل الآيات بعض
هامش
( 1 ) المراد بالحجاب احتجاب الممدوح عن قصاده ، ومقص : مبعد ، وتحتجب : تختفى تحت الغيوم . ( 2 ) إنما قصر علماء المعاني عنايتهم في هذا الباب على البحث في عطف الجمل « بالواو » دون بقية حروف العطف ؛ لأنها هي الأداة التي تخفى الحاجة إليها ، ويحتاج العطف بها إلى لطف في الفهم ودقة في الإدراك ، إذ أنها لا تدل إلا على مطلق الجمع والاشتراك ، أما غيرها من حروف العطف فتفيد معاني زائدة ، كالترتيب مع التعقيب في الفاء ، والترتيب مع التراخي في ثم ، وهلم جرّا ، ومن أجل ذلك سهل إدراك مواطنها . ( 3 ) الريان : ضد الظمآن ، والنعمى : النعمة .
البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية ) — صفحة 228 | علي الجارم / مصطفى أمين