تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلاغة الواضحة ( البيان والمعاني والبديع للمدارس الثانوية ) — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
( 12 ) وقال غيره :
إذا لم تخش عاقبة اللّيالى * ولم تستحى فاصنع ما تشاء
( 13 ) وقال تعالى :
« وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » .

البحث :

إذا تأملت أمثلة الطائفة الأولى رأيت كلّا منها يشتمل على صيغة يطلب بها على وجه التكليف والإلزام حصول شئ لم يكن حاصلا وقت الطلب . ثم إذا أنعمت النظر رأيت طالب الفعل فيها أعظم وأعلى ممن طلب الفعل منه ، وهذا هو الأمر الحقيقي وإذا تأملت صيغته رأيتها لا تخرج عن أربع : هي فعل الأمر كما في المثال الأول ، والمضارع المقرون بلام الأمر كما في المثال الثاني ، واسم فعل الأمر كما في المثال الثالث . والمصدر النائب عن فعل الأمر كما في المثال الرابع . انظر إذا إلى الطائفة الثانية تجد أن الأمر في جميعها لم يستعمل في معناه الحقيقي وهو طلب الفعل من الأعلى للأدنى على وجه الإيجاب والإلزام ، وإنما يدل على معان أخرى يدركها السامع من السياق وقرائن الأحوال . فأبو الطيب في المثال الخامس لا يريد تكليفا ولا يقصد إلى إلزام . وإنما ينصح لمن ينافسون سيف الدولة ويرشدهم إلى الطريق المثلى في طلب المجد وكسب الرفعة . فالأمر هنا للنصح والإرشاد لا للإيجاب والإلزام . وصيغة الأمر في المثال السادس لا يراد بها معناها الأصلىّ ، لأن المتنبي يخاطب مليكه . والمليك لا يأمره أحد من شعبه ، وإنما يراد بها الدعاء ، كذلك كل صيغة للأمر يخاطب بها الأدنى من هو أعلى منه منزلة وشأنا .