تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
والكتاب حاضر قريب فكان من الواجب أن يقول : ألم ذاك الكتاب ؛ لأن ( ذاك ) إشارة إلى الأقرب . [ الجواب ] : قلنا : ليس كذلك وذلك لأن أحدهما يقوم مقام الآخر . والدليل عليه ، [ قول الشاعر ] :
358 - أقول له ، والرّمح يأطر متنه : * تأمّل ، خفافا ، إنّني أنا ذلكا « 1 »
فأشار بذلك إلى نفسه ، وهو قريب . ولمعنى آخر : وهو أن ( ذلك ) أراد به التورية ، وهو بعيد . والكاف للخطاب . من قولك ذلك ، لا محل له من الإعراب ؛ لأنه لا يخلو : إما أن يكون مرفوعا ، أو منصوبا ، أو مجرورا . ليس من الجائز أن يقال : إنه مرفوع أو منصوب ، لأنه لا ناصب له ، ولا رافع . بقي أن يقال : إنه مجرور وليس كذلك ؛ لأنه لو كان مجرورا بالإضافة إليه ، لكان من الواجب أن يحذف نون التثنية ، عند الإضافة إليه ، ومع ذلك لا تحذف . تقول : كيف ذانك الرجلان ، يا رجل ؟ فقال : ذانك . ولو كان مجرورا بإضافة ( ذا ) إليه ، لكان من الواجب ، أن تسقط النون ، كما تسقط في قولك : غلاما زيد ، عند الإضافة . وكذلك أيضا لو كان مجرورا ، بالإضافة إليه ، لكان من الواجب أن يجوز توكيده ، فيقال [ 171 / أ ] : ذاك نفسك ، كما تقول : مررت بك نفسك . فلما لم يجز توكيده ، ولم تسقط نونه ؛ علمنا بهذا أنه ليس بمجرور ، ولا محل له من الإعراب . واللّه أعلم .

باب الإمالة

والإمالة ، هي ما ذكرها ، وهي : أن تنحو بالفتحة ، نحو الكسرة ؛ فتميل الألف نحو الياء ؛ لضرب من تجانس الصوت . واعلم أن الإمالة تستحسن في الكلام . والأسباب التي تجوز لها الإمالة ستة . وهي ما ذكره من الكسرة ، والياء ، وأن تكون الألف منقلبة عن الياء ، أو بمنزلة المنقلبة عن الياء ، أو لأن الحرف الذي قبل الألف قد ينكسر في حال من الأحوال ، أو إمالة لإمالة . فالمقصود من الإمالة ، تجانس الصوت . والعمل من وجه واحد ؛ وذلك ؛ لأن النطق بالألف ، والفتحة ، تخالف الكسرة لأنهما ضدان ألا ترى أن السين إذا وقعت في كلمة وبعدها الطاء قلبت السين صادا نحو الصراط : لتجانس الصوت . لأن الطاء من حروف الإطباق ، والصاد كذلك ؛ بخلاف السين لأن السين مهموسة وليست من حروف الإطباق . فكما قلبوها صادا ؛ لتوافق الطاء فكذلك أمالوا ألف عالم ؛ لأجل الكسرة حتى يكون تسفّلا بالكسرة ، بعد التصعد بالألف ، لأن التسفل ، والتّصعّد ضدان فلم يجمعوا بينهما . وكذلك أمالوا مع الياء في شيبان وغيلان لأن الألف ضد الياء على ما بينا . وكذلك أمالوا قضى وسعى لأن الألف أصله الياء بدليل قضيت وسعيت فأمالوها ليكون العمل من جهة واحدة .
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، لخفاف بن ندبة ، في : ديوانه 65 ، والخصائص : 186 ، والإنصاف 2 : 720 ، والخزانة 5 : 438 ، 439 ، 440 .