تجري مجرى هذه الحركات ، أنهم قالوا : لم يقض ، ولم يرم ، ولم يخش ، ولم يغز . فحذفوا هذه الحروف ، في موضع الجزم من هذه الأفعال المعتلة ، كما حذفوا الحركات من الصحيح ، نحو : لم يقعد ، ولم يذكر . فكما أن الحركات ، هناك ، ساقطة للجزم ، سقطت هذه الحروف ، أيضا ، إذ أجريت مجراها .
وأما الفعل المعرب ، فما في أوله إحدى الزوائد الأربع ، نحو : يقوم ، ويقعد ، وقد ذكرنا : لم خصّت هذه الحروف من بين سائرها ، ولم أعرب هذا الفعل الخاص ؟ . وبقي علينا أن نريك أن الموجب للإعراب ، في الأفعال [ 122 / ب ] المستقبلة غير موجب الرفع فيها . فنقول : إنّ الموجب للإعراب ، كونه مضارعا للأسماء ، من الأوجه الثلاثة المتقدمة ، في صدر هذا الكتاب . وموجب الرفع ، وقوعه موقع الاسم . وبيان ذلك ، أنا نقول : زيد يقوم ، فيرتفع ( يقوم ) لوقوعه موقع الاسم ، إذ موقعه موقع ( قائم ) . فكما أنك ، لو قلت : زيد قائم ، استقام الكلام به ، فكذلك يستقيم ، حين تقول : زيد يقوم .
ولا نظر إلى أنّ الاسم ، لو وقع : كيف إعرابه . ألا ترى : أنا نقول : مررت برجل يقوم ، ورأيت رجلا يقوم . ولو أوقعت الاسم ، هناك ، لقلت : مررت برجل قائم ، فتجره . ورأيت رجلا قائما ، فتنصبه . فالموجب للرفع ، وقوعه موقع الاسم ، مجردا ، وصلاحيته في موقعه ، ولا نظر إلى إعرابه .
[ فإن قلت ] : فإنا نقول : كاد زيد يقوم ، فنرفع ( يقوم ) ولا يقع هاهنا ، موقع الاسم ، إذ لو قلنا : كاد زيد قائما ، لخرجنا عن أصل كلامهم .
[ قلت ] : إنّ قولنا : كاد زيد يقوم ، الأصل فيه : كاد زيد قائما ، إلا أنهم ، رفضوا الاسم ، في هذا الموضع ، واقتصروا على استعمال الفعل . والدليل عليه ، [ قول الشاعر ] :
298 - فأبت إلى فهم ، وما كدتّ آئبا * . . . « 1 »
فأخرج ( آئبا ) هنا ، على الأصل ، كما أخرجت العرب : استحوذ ، على الأصل ، في قوله تعالى :
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ
« 2 » ، ليدل على أنّ : استقام : أصله : استقوم . فكذا ، هاهنا . قال :
وما كدت آئبا ، ليدل على أن قولهم : كاد زيد يقوم ، في تقدير : كاد زيد قائما . والشيء قد يرفض ، ثم يخرج على الأصل ، في بعض المواضع .
وأما حذف الحروف ، من الأفعال المعتلة ، في موضع الجزم ، لم يقض ، ولم يخش ، ولم يغز ،
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، لتأبط شرا ، وعجزه :. . . * وكم مثلها فارقتها ، وهي تصفروهو في : شعره 89 ، وديوان الحماسة 1 : 18 ، وفيه : لم أك ، والخصائص 1 : 391 ، والأغاني 21 : 141 ، وفيه : ما كنت ، واللسان ( كيد ) 3 : 383 ، والخزانة 8 : 374 ، 375 ، 376 ، 9 : 347 .
وبلا نسبة في : الإنصاف 2 : 554 ، وابن يعيش 7 : 13 ، وابن عقيل 1 : 325 ، وأوضح المسالك 152 ( صدره ) .
( 2 ) 58 : سورة المجادلة 19 .