تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
اضطرار ، وإقامة الوزن . وقد جاء مثل ما قال أبو إسحاق ، عن ابن عامر في قوله تعالى :
( وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى )
« 1 » ، على تقدير : وكلّ وعده اللّه الحسنى . فرفع ( كلا ) بالابتداء ، وأضمر الهاء ، وليس في هذا اضطرار . وإنما هو كلام اللّه ، فلا يختار فيه إلا الأفصح . وتخطئة ابن عامر لا يجوز . والبصريون يقدمون الأعلام ، في باب التعريف ، على المبهم . وقوم يخالفونهم « 2 » ، فيقدمون المبهمة على الأعلام في التعريف . ويظهر هذا في قولهم ، إذا قال الرجل : هذه فاطمة طالق ، فأشار إلى واحدة ، اسمها غير فاطمة ، فإن الأكثرين قالوا : إن المشار إليها ( طالق ) دون ( فاطمة ) . ومن قال : إنّ العلم ، هو الغالب ، وهو المتقدم ، لزمه عكس ذلك . [ قال أبو الفتح ] : وأما ما تعرف باللام ، فنحو : الرجل ، والغلام ، والطويل ، والقصير . [ قلت ] : الألف ، واللام على أربعة أقسام : [ الأول ] : أن يكون لتعريف الجنس ، كقوله تعالى :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
( 2 ) « 3 » . ف ( الإنسان ) هاهنا ، اسم جنس ، بدليل قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
« 4 » ، فاستثنى منهم . ولو أراد مفردا بعينه ، ما جاء الاستثناء عنه . وقال « 5 » : " أهلك الناس [ 115 / ب ] الدينار ، والدرهم " . ومعلوم أن جميع الناس لا يهلكهم دينار ودرهم مفرد ، إنما أراد الجنس . أي : أهلكهم هذا الجنس . ومثله : نعم الرجل زيد ، يريدون به الجنس . [ الثاني ] : أن يكون الألف ، واللام للعهد . وذلك إذا ذكرت منكورا لإنسان ، ثم أعدتّه عرّفته ، بالألف ، واللام . تقول : كان عندي رجل ، فقال : كيت ، وكيت . ثم قال : عاد الرجل إلي ، فقال : كيت ، وكيت ، أي : ذلك الرجل المعهود . قال اللّه تعالى :
كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ( 15 ) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ
« 6 » . أي : ذلك الرسول المعهود ، فيتعرف بالتكرار . فعلى هذا ، إذا قال : لفلان عليّ مئة ، لفلان عليّ المئة ، كان مالا واحدا . وتكون المئة الثانية ، هي الأولى ، لما ذكرنا . وكذلك ، لو قال : صل ركعتين : صل الركعتين ، لزمه ركعتان . ولو قال : صل ركعتين : صل ركعتين ، لزمه أربع ركعات . ولو قال : له علي مئة ، له علي مئة لزمه مئتان ، لأن الثانية لمّا لم تتعرف باللام ، كانت غير الأولى . ولهذا قالوا في قوله تعالى :
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ( 5 ) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
( 6 ) « 7 » : اليسر الثاني غير الأول ، لمّا لم يذكر باللام . وصدقه الخبر : " لن يغلب عسر يسرين " « 8 » . ولو قال : له علي المئة : علي مئة ، يلزمه مئتان ، لأن الثانية منكورة ، بخلاف الأولى . ولو قال : له علي المئة : له علي المئة ،
هامش
( 1 ) 4 : سورة النساء 95 . ينظر : ص 184 ، هامش ( 4 ) . ( 2 ) هم : الكوفيون . ينظر : الإنصاف ( مسألة 101 ) 2 : 707 . ( 3 ) 103 : سورة العصر 2 . ( 4 ) 103 : سورة العصر 3 . ( 5 ) أي : بعض العرب . شواهد التوضيح 176 . ( 6 ) 73 : سورة المزمل 15 ، 16 . ( 7 ) 94 : سورة الشرح 5 ، 6 . ( 8 ) الموطأ 358 ، والمقاصد الحسنة 338 ، 339 ، وينظر : تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث 128 .
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 283 | علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم ) / محمد خليل مراد الحربي