تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
خبر كان . والمضمر ، لا يكون حالا . فثبت أن قولك : كان زيد قائما ، إنما هو بمنزلة قولك : ضرب زيد عمرا . فالاسم مشبه بالفاعل ، والخبر مشبه بالمفعول ، لمّا جاء بعد الفعل ، والفاعل ، كمجيء المفعول بعدهما . وأما ( ليس ) : فإن سيبويه « 1 » ، وأصحابه ، زعموا أنه فعل . وأبو علي ، خالفهم ، فزعم : أنه حرف « 2 » . وقال : لأنه لا يتصرف ، وليس في الأفعال ، ما هو على صيغته ، وأنه لا يدل على ما يدل عليه الأفعال . وإنما ( ليس ) : لنفي الحال ، بمنزلة ( ما ) لا فرق بينهما . قال : ولا يدل قولك : لست ، ولسنا ، ولست ، على أنه فعل ، لأنه مشبه بالفعل « 3 » . نقول : إن ( ليس ) : فعل ، وأصله : ليس ، على وزن : علم ، وصيد ، من حيث إن آخره مفتوح ، ولكنه ، لما لم يتصرف ألزم عينه الإسكان ، ليدل [ 40 / ب ] : ذلك على جموده ، وكونه غير متصرف . ولو كان متصرفا ، لقيل : لاس ، كما قيل في : هيب : هاب . ولأنك ، تقول : لست ، ولستم ، وليسوا . ولو كانت بمنزلة ما لم يتصل بها هذه المضمرات على حد ما يتصل بالأفعال . ولأن : ليس ، بمنزلة : كان ، في جواز تقديم الخبر عليه . كما لا تقول : قائما ما زيد . فثبت بهذا أنه فعل . وإن منعت من تقدم الخبر عليه ، حاججناك « 4 » ، بمثل ما حاججت به غيرك ، فنقول لك : الدليل على جواز تقديم خبر ليس ، قوله تعالى :
أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ
« 5 » . ففي ليس ضمير العذاب ، مرتفعا ، بكونه اسما له . وقوله : ( مصروفا ) ، خبر . ويوم يأتيهم : منصوب بمصروف ، وقدمه على ليس : فجاز تقديم الخبر عليه ، لما جاز تقديم معموله عليه ، لأن معمول الخبر ، يقع حيث يجوز وقوع الخبر . ألا ترى أنك حاججت غيرك ، بجواز تقديم خبر المبتدأ بقول [ الشاعر ] وهو مطلع القصيدة :
87 - كلا يومي طوالة ، وصل أروى * ظنون ، آن مطّرح الظّنون « 6 »
ف ( وصل أروى ) : مبتدأ . و ( ظنون ) : خبره . و ( كلا يومي ) : ظرف ل ( ظنون ) وقدمه على ( وصل أروى ) . كما أن
( يَوْمَ يَأْتِيهِمْ )
ظرف معمول لمصروف ، مقدم على ( ليس ) . فليس لك أن تقول : إن
( يَوْمَ يَأْتِيهِمْ )
ظرف ، فتكتفي بالمعنى ، كقولهم : أكل يوم لك ثوب [ لأن ] : كلا ظرف أيضا ، ومع ذلك حاججت به غيرك ، فنحن أيضا نحاجك بهذا ، على أنك قد كررت هذه المسألة .
هامش
( 1 ) الكتاب 1 : 46 ، وفيه : ( فأما ليس فإنه لا يكون فيها ذلك ( أي : التصرف ) ، لأنها وضعت موضعا واحدا ، ومن ثم لم تصرف تصرف الفعل الآخر ) . ( 2 ) ابن عقيل 1 : 262 . ( 3 ) المقتصد 1 : 407 - 409 ، ففيه نقل عبد القاهر الجرجاني مجمل رأي أبي علي في : ( ليس ) . ( 4 ) الخطاب لأبي علي . ( 5 ) 11 : سورة هود 8 . ( 6 ) البيت من الوافر ، للشماخ ، في : ديوانه 319 ، والمقتصد 1 : 302 ، والإنصاف 1 : 67 ، وشرح اللمع - لابن برهان 1 : 57 ، واللسان ( طول ) 11 : 415 . طوالة : اسم بئر . ظنون : القليلة الماء . كنى بطوالة ، ومائها القليل عن : وصل أروى الضعيف .