تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 420

مساهمون:

ص٤٢٠
وكذلك الهاء أيضا في سائر المنصوبات ؛ فإنه يجوز أن لا تمطل حركتها في الشعر كضمير المجرور ؛ فإنهم يسوّون بينهما في ذلك ، قال الشاعر : [ 335 ]
له زجل كأنّه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة أو زمير
وقال الآخر : [ 336 ]
أو معبر الظّهر ينأى عن وليّته * ما حجّ ربّه في الدّنيا ولا اعتمرا
شرح
- المعطوف يشارك المعطوف عليه في تسلّط عامله عليه ، ولا يصح ذلك ؛ لأن الجدع في لسان أهل هذه اللغة خاص بالأنف ، فلا يجوز أن تقول : جدعت عينيه ، ولا جدعت يديه ، ولا جدعت أذنيه ، وما أشبه ذلك ، ولهذا كان قوله « وعينيه » عندهم مفعولا به لفعل محذوف تقديره « ويفقأ عينيه » وتكون جملة هذا الفعل معطوفة بالواو على جملة الفعل السابق ، قال السيد المرتضى « أراد ويفقأ عينيه ؛ لأن الجدع لا يكون بالعين ، واكتفى بيجدع من يفقأ » اه . والمؤلف قد أنشد هذا البيت ليستشهد به على أن الشاعر قد يمطل حركة ضمير الغائب المتصل - أي يمدّها فينشأ عنها حرف مدّ يجانس حركتها - وقد لا يمطلها ، وبيان ذلك أنك تقول « أعطيته مما له عندي » فتمطل الهاء في « أعطيته » وفي « له » والأولى في محل نصب والثانية في محل جر - حتى ينشأ من ضمة كل منهما واو ، ويجوز أن تكتفي بالضمة في كل كلمة منهما ، وأن تمطل واحدة وتدع أخرى بلا مطل ، كل ذلك جائز ، وليس واحد من الوجهين بأولى من الآخر ، وقد جمع الشاعر صاحب هذا الشاهد بين الوجهين في هذا البيت ؛ فقد مطل الهاء في « أنفه » واكتفى بالحركة من غير مطل في « وعينيه » . [ 335 ] هذا البيت من كلام الشماخ بن ضرار الغطفاني يصف حمار وحش ، وهو من شواهد سيبويه ( 1 / 11 ) وابن جني في الخصائص ( 1 / 127 ) والزّجل - بالتحريك - صوت فيه حنين وترنّم ، والحادي : الذي يتغنّى أمام الإبل ويطربها لكي يعينها على السير وألا تملّ ، والزمير : صوت المزمار ، والوسيقة : أراد بها أنثى حمار الوحش . يقول : إذا طلب أنثاه صوت بها وكأن صوته - لما فيه من الحنين ، ومن حسن الترجيع والتطريب - صوت حاد يتغني بإبل أو صوت مزمار . والاستشهاد بالبيت ههنا في قوله « كأنه صوت حاد » فإن الشاعر لم يمطل الضمة التي على ضمير الغائب في كأنه حتى تنشأ عنها واو ، بل اختلس الضمة اختلاسا ، وهذا بين بعد ما ذكرناه في شرح الشاهد السابق . [ 336 ] وهذا البيت أيضا من شواهد سيبويه ( 1 / 12 ) ونسبه لرجل من باهلة ، ولم يزد الأعلم في نسبته على ذلك ، والشاعر يصف بعيرا لم يستعمله صاحبه في سفر لحج أو عمرة ، ومعبر الظهر : ممتلئة باللحم مع كثرة وبره ، والولية : البرذعة ، وأراد بقوله « ينأى عن وليته » أنه يعسر وضعها عليه لكونه قد اشتد سمنه وكثر وبره ، وكان ينبغي أن يقول « تنأى عنه وليته » لكنه قلب ، ووجهه أنه إذا نأى عنها فإنه يجعلها تنأى عنه ، وربه : أي صاحبه . ومحل الاستشهاد بالبيت قوله « ربه » فإنه اختلس الضمة التي على ضمير الغائب المجرور اختلاسا ، ولم يشبع هذه الضمة حتى تنشأ عنها واو ، على نحو ما قررناه في شرح الشاهد رقم 334 .