تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
والوجه الثاني : أنه لم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه مضارع للبعض الذي يقع به التذكير والتأنيث والتثنية والجمع بلفظ واحد . والوجه الثالث : إنما لم يثن ولم يجمع لأن التثنية والجمع إنما تلحق الأسماء التي تنفرد بالمعاني ، و « أفعل » اسم مركب يدل على فعل وغيره ، فلم يجز تثنيته ولا جمعه ، كما لم يجز تثنية الفعل ولا جمعه لما كان مركبا يدلّ على معنى وزمان ، وإنما فعلت العرب ذلك اختصارا للكلام ، واستغناء بقليل الكلام عن كثيرة ، ولم يجز تأنيثه لما ذكرنا من تضمنه معنى المصدر ، والمصدر مذكر ، ثم على أصلكم إنما وحّد « أفعل » لأنه جرى مجرى الفعل ؛ ولهذا كانت إضافته غير حقيقية . وأما قولهم « إن من تقوم مقام الإضافة ، ولا يجوز الجمع بين التنوين والإضافة » قلنا : لو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يدخله الجر في موضع الجر ، كما إذا دخلته الإضافة ، فلما أجمعنا على أنه لا ينصرف ويكون في موضع الجر مفتوحا كسائر ما لا ينصرف دل على فساد ما ذهبتم إليه . وأما قولهم « إنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء » قلنا : لا نسلّم أنه إنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لأنهما دليلان من دلائل الأسماء ، وإنما لم يجز الجمع بين التنوين والإضافة لوجهين : أحدهما : أن [ 205 ] الإضافة تدل على التعريف ، والتنوين يدل على التنكير فلو جوزنا الجمع بينهما لأدى ذلك إلى أن يجمع بين علامة تعريف وعلامة تنكير في كلمة واحدة ، وهما ضدان ، والضدان لا يجتمعان . والوجه الثاني : أن الإضافة علامة الوصل ، والتنوين علامة الفصل . فلو جوزنا الجمع بينهما لأدى ذلك إلى أن يجمع بين علامة وصل وعلامة فصل في كلمة واحدة ، وهما ضدان ، والضدان لا يجتمعان . وما ذهبوا إليه من التعليل يبطل بحرف الجرّ مع لام التعريف ؛ فإنهما يجوز اجتماعهما ، نحو « مررت بالرجل » وإن كانا دليلين من دلائل الأسماء ، إلى غير هذين الدليلين من دلائل الأسماء ، واللّه أعلم .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 402 | أبو البركات بن الأنباري