تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
فهو محمول على أنه بمعنى ودّع بالتشديد فخفّف ، وهو على كل حال من الشاذ الذي لا يعتدّ به في الاستعمال . وإذا كان كذلك وجب أن تكون الجملة التي بعدها مخالفة لما قبلها ؛ ليكونا خبرين مختلفين . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إنا أجمعنا على أن بل يجوز العطف بها بعد النفي والإيجاب فكذلك لكن لاشتراكهما في المعنى » قلنا : إنما شاركت لكن بل في النفي دون الإيجاب ؛ لأن مشاركتها لها في النفي صواب وليس على سبيل [ 202 ] النسيان والغلط ؛ ألا ترى أنك إذا قلت في النفي « ما جاءني زيد لكن عمرو » لم توجب نسيانا ولا غلطا كما لو قلت « ما جاءني زيد بل عمرو » وإذا كان استعماله في النفي لا يوجب نسيانا ولا غلطا ، فتكثير ما هو صواب لا ينكر ، بخلاف استعماله في الإيجاب ؛ فإنه يوجب النسيان والغلط ، والنسيان والغلط إنما يقع نادرا قليلا ، فاقتصر فيه على حرف واحد وهو « بل » . ثم ليس من ضرورة تشارك لكن وبل في بعض الأحوال مشاركتهما في كل الأحوال ، ألا ترى أن « بل » لا يحسن دخول الواو عليها ؟ ولا يقال « وبل » و « لكن » يحسن دخول الواو عليها فيقال « ولكن » قال اللّه تعالى : ولكن الشيطان كفروا [ البقرة : 102 ] في قراءة من قرأ بالتخفيف ، وكذلك قوله :
وَلكِنَّ الْبِرَّ
[ البقرة : 177 ] والشواهد على ذلك من كتاب اللّه وكلام العرب مما لا يحصى كثرة ، وذلك لا يوجد البتة في « بل » فدل على ما قلناه ، واللّه أعلم .
شرح
- المفضلية الأربعين ( انظر المفضليات ص 190 - 202 ط دار المعارف ) وقبل البيت المستشهد به قوله :كيف يرجون سقاطي بعد ما * لاح في الرأس بياض وصلع ورث البغضة عن آبائه * حافظ العقل لما كان استمعيصف شانئه بأنه ورث بغضه عن آبائه ، سمعهم يذكرون العداوة وأسبابها ويشتمونه فحفظ ذلك عنهم بعد أن وعاه وعقله ، ومسعاتهم : سعي آبائه ، ورواها المؤلف « مسعاته » يريد أنه سعى كما كانوا يسعون فلم يظفر بشيء كما لم يظفروا من قبل . والاستشهاد به في قوله « ودع » حيث استعمل الفعل الماضي الثلاثي المجرد ، ومعناه ترك ، والكلام فيه كالكلام في الشاهد السابق ، قال ابن جني « إنما هذا على الضرورة ؛ لأن الشاعر إذا اضطر جاز له أن ينطق بما ينتجه القياس وإن لم يرد به سماع - ثم أنشد بيت أبي الأسود ، وهو الشاهد السابق - وعليه قراءة بعضهمما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلىلأن الترك ضرب من القلى ، فهذا أحسن من أن يعل باب استحوذ واستنوق الجمل لأن استعمال ودع مراجعة أصل ، وإعلال استحوذ واستنوق ونحوهما من المصحح ترك أصل ، وبين مراجعة الأصول وتركها ما لا خفاء به » اه . وانظر كتاب سيبويه ( 2 / 256 ) .