تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
وجدت ولا تعمل عملها كما أن قولهم : « حسبك زيد » بمعنى الأمر وهو اسم وليس بفعل ، وكقولهم : « أحسن بزيد » لفظه لفظ الأمر وهو بمعنى التعجب ، وكقولهم : « رحم اللّه فلانا » لفظه لفظ الخبر وهو في المعنى دعاء ، [ 295 ] وكقوله تعالى في قراءة من قرأ بالرفع :
لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها
[ البقرة : 233 ] لفظه لفظ الخبر والمراد به النهي ، وكقوله تعالى :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
[ المائدة : 91 ] أي : انتهوا ، لفظه لفظ الاستفهام والمراد به الأمر ، وكقوله تعالى :
فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا
[ مريم : 75 ] لفظه لفظ الأمر والمراد به الخبر ، وكقوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
[ البقرة : 233 ] أي : ليرضعن ، لفظه لفظ الخبر والمراد به الأمر ، إلى غير ذلك من الأماكن التي لا تحصى كثرة ، فكذلك نقول نحن هاهنا : « إذا » بمعنى وجدت وهي في اللفظ ظرف مكان ، وظرف المكان يجب رفع المعرفتين بعده ، فوجب أن يقال « فإذا هو هي » . وإن قالوا « إنها تعمل عمل الظرف وعمل وجدت ؛ فترفع الأول لأنها ظرف وتنصب الثاني على أنها فعل ينصب مفعولين » فباطل ؛ لأنهم إن أعملوها عمل الظرف بقي المنصوب بلا ناصب ، وإن أعملوها عمل الفعل لزمهم وجود فاعل ومفعولين ، وليس لهم إلى إيجاد ذلك سبيل . وأما قول أبي العباس ثعلب « إن هو في قولهم فإذا هو إياها عماد » فباطل عند الكوفيين والبصريين ؛ لأن العماد عند الكوفيين - الذي يسميه البصريون الفصل - يجوز حذفه من الكلام ، ولا يختلّ معنى الكلام بحذفه ، ألا ترى أنك لو حذفت العماد الذي هو الفصل من قولك « كان زيد هو القائم » فقلت « كان زيد القائم » لم يختلّ معنى الكلام بحذفه ؛ وكان الكلام صحيحا ، وكذلك سائر الأماكن التي يقع فيها العماد الذي هو الفصل يجوز إثباته وحذفه ، ولو حذفته هاهنا من قولهم : « فإذا هو إيّاها » لاختلّ معنى الكلام وبطلت فائدته ؛ لأنه يصير « فإذا إياها » وهذا لا معنى له ولا فائدة فيه ؛ فبطل ما ذهبوا إليه . واللّه أعلم .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 578 | أبو البركات بن الأنباري