حيث لا يرتفع الاسم مثل الحالين في النصب والجزم ، فدلّ على ما قلنا .
والذي يدل على أنه لا يرتفع لقيامه مقام الاسم أنه لو كان مرفوعا لقيامه مقام الاسم لكان ينبغي أن لا يرتفع في قولهم « كاد زيد يقوم » لأنه لا يجوز أن يقال كاد زيد قائما ، فلما وجب رفعه بالإجماع دلّ على صحة ما قلناه .
وأما البصريون فاحتجوا [ 227 ] بأن قالوا : إنما قلنا إنه مرفوع لقيامه مقام الاسم ، وذلك من وجهين :
أحدهما : أن قيامه مقام الاسم عامل معنوي ؛ فأشبه الابتداء ، والابتداء يوجب الرفع ، فكذلك ما أشبهه .
والوجه الثاني : أنه بقيامه مقام الاسم قد وقع في أقوى أحواله ، فلما وقع في أقوى أحواله وجب أن يعطى أقوى الإعراب ، وأقوى الإعراب الرفع ؛ فلهذا كان مرفوعا لقيامه مقام الاسم .
ولا يلزم على كلامنا الفعل الماضي ؛ فإنه يقوم مقام الاسم ، ومع هذا فلا يجوز أن يكون مرفوعا ؛ لأنه إنما لم يكن قيام الفعل الماضي مقام الاسم موجبا لرفعه ، وذلك لأن الفعل الماضي ما استحق أن يكون معربا بنوع ما من الإعراب ، فصار قيامه مقام الاسم بمنزلة عدمه في وجوب الرفع ؛ لأن الرفع نوع من الإعراب ، وإذا لم يكن يستحق أن يعرب بشيء من الإعراب استحال أن يكون مرفوعا ؛ لأنه نوع منه ، بخلاف الفعل المضارع ؛ فإنه استحق جملة الإعراب بالمشابهة التي بيّناها ، فكان قيامه مقام الاسم موجبا له الرّفع ، وصار هذا بمنزلة السّيف ؛ فإنه يقطع في محل يقبل القطع ، ولا يقطع في محل لا يقبل القطع ، فعدم القطع في محل لا يقبل القطع لا يدل على أنه ليس بقاطع ، فكذلك هاهنا : عدم الرفع في الفعل الماضي مع قيامه مقام الاسم لا يدلّ على أن قيام الفعل المضارع مقام الاسم ليس بموجب للرفع ، وهذا واضح لا إشكال فيه .
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « إنه يرتفع بتعرّيه من العوامل الناصبة والجازمة » قلنا : هذا فاسد ، وذلك لأنه يؤدي إلى أن يكون الرفع بعد النصب والجزم ، ولا خلاف بين النحويين أن الرفع قبل النصب والجزم ؛ وذلك لأن الرفع صفة الفاعل ، والنصب صفة المفعول ، وكما أن الفاعل قبل المفعول ؛ فكذلك ينبغي أن يكون الرفع قبل النصب ، وإذا كان الرّفع قبل النصب فلأن يكون قبل الجزم كان ذلك من طريق الأولى ، فلما أدّى قولهم إلى خلاف الإجماع وجب أن يكون فاسدا .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 449
مساهمون: أبو البركات بن الأنباري
ص٤٤٩