تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
إذا ما أذهبوا ألما بقلبي * وإن قيل الشّقاة هم الأساة
أراد « كانوا » فحذف الواو اجتزاء بالضمة . وقال الشاعر : [ 246 ]
إذا ما شاء ضرّوا من أرادوا * ولا يألوهم أحد ضرارا
شرح
- عليها ، وقد قرىء في قوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَبضم الحاء - وهي قراءة طلحة بن مصرف - فخرجها الزمخشري على أن الأصل « قد أفلحوا المؤمنون » فحذفت الواو لدلالة الضمة عليها ، بدليل أن طلحة نفسه قرأ ( قد أفلحوا المؤمنون ) بالواو ، وقرىء( تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ )برفع أحسن ، وخرجها قوم على أن الأصل ( على الذي أحسنوا ) فحذفت الواو واكتفى بضم النون للدلالة عليها ، وعلى هذه القراءة وهذا التخريج يكون « الذي » مستعملا في الجمع نظير قول الآخر :وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالدواستبعد ذلك ابن هشام في المغني ، ورجح تخريج الجمهور ، وحاصله أن « أحسن » أفعل تفضيل وليس فعلا ماضيا ، وهو خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : تماما على الذي هو أحسن ، وقرىء( لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ )برفع « يتم » وخرجها قوم على أن الأصل « يتموا الرضاعة » فحذفت الواو اجتزاء بالضمة عنها ، وخرجها قوم على أن « أن » المصدرية في « أن يتم » مهملة غير عاملة النصب حملا على « ما » المصدرية أختها نظير قول الشاعر :أن تقرآن على أسماء ويحكما * مني السّلام ، وألا تشعرا أحداوقد اختلفت عبارة القوم في حذف حرف المد والاجتزاء بالحركة عنه للدلالة عليه : أهو ضرورة من ضرورات الشعر أم هو لغة لبعض العرب ؟ فظاهر كلام سيبويه أن ذلك ضرورة ؛ فإنه ذكر ذلك واستشهد له في « باب ما يحتمل الشعر » وصدر هذا الباب بقوله ( 1 / 8 ) « اعلم أنه يجوز في الشعر ما لا يجوز في الكلام : من صرف ما لا ينصرف يشبهونه بما ينصرف من الأسماء لأنها أسماء كما أنها أسماء ، ومن حذف ما لا يحذف يشبهونه بما قد حذف واستعمل محذوفا » اه . وظاهر كلام الفراء أن ذلك لغة لبعض العرب ، قال « وقد تسقط العرب الواو وهي واو جمع اكتفاء بالضمة قبلها ، فقالوا في ضربوا : قد ضرب ، وفي قالوا : قد قال ، وهي في هوازن وعليا قيس » اه ، وانظر ما أشرنا إليه بعد شرح الشاهد 17 في المسألة الثانية . [ 246 ] هذا البيت مما استشهد به الفراء في تفسيره ، وتقول : ألا فلان يألو - بوزن سما يسمو - ألوا بوزن ضرب وألوا بوزن سمو ؛ إذا قصر وأبطأ فيما يريد ، يعني أن هؤلاء الناس يضرون من أرادوا ضرّه متى شاءوا ، والناس لا يقصرون ولا يتمهلون عن إيصال الضر إليهم ، ومحل الاستشهاد قوله « إذا ما شاء » فإن أصل هذه العبارة « إذا ما شاءوا » فحذف الواو ، واكتفي بضم الهمزة التي قبلها للدلالة عليها ، وحكى اللحياني عن الكسائي أن العرب تقول : أقبل يضربه لا يأل - بضم اللام - يريدون لا يألو ، فاكتفوا بالضمة عن الواو ، وحكى سيبويه أنهم يقولون : لا أدر - بكسر الراء - يريدون لا أدري ، فاكتفوا بالكسرة عن الياء .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 319 | أبو البركات بن الأنباري