تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
فأما من ذهب إلى أنها إذا كانت مرفوعة ففيها نقل بلا قلب ، وإذا كانت منصوبة ففيها قلب بلا نقل ، وإذا كانت مجرورة ففيها نقل وقلب ؛ فقال : لأن الأصل في قولك هذا أبوه « هذا أبوه » فاستثقلت الضمة على الواو ، فنقلت إلى ما قبلها « 1 » ، وبقيت الواو على حالها ، فكان فيه نقل بلا قلب ، والأصل في قولك رأيت أباه « رأيت أبوه » فتحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا ؛ فكان فيه قلب بلا نقل ، والأصل في قولك مررت بأبيك « مررت بأبوك ، فاستثقلت الكسرة على الواو ، فنقلت إلى ما قبلها « 1 » ، فقلبت الواو ياء لسكونها « 2 » وانكسار ما قبلها ، فكان فيه نقل وقلب . وأما من ذهب إلى أن الباء حرف الإعراب ، وإنما الواو والألف والياء نشأت عن إشباع الحركات ؛ فقال : لأن الباء تختلف عليها الحركات في حالة الرفع والنصب والجر كما تختلف حركات الإعراب على سائر حروف الإعراب ؛ فدل على أن الباء حرف الإعراب [ 10 ] ، وأن هذه الحركات - التي هي الضمة والفتحة والكسرة - حركات إعراب ، وإنما أشبعت فنشأت عنها هذه الحروف - التي هي الواو والألف والياء - فالواو عن إشباع الضمة ، والألف عن إشباع الفتحة ، والياء عن إشباع الكسرة ، وقد جاء ذلك كثيرا في استعمالهم ، قال الشاعر في إشباع الضمة : [ 6 ]
اللّه يعلم أنّا في تلفّتنا * يوم الفراق إلى إخواننا صور
شرح
[ 6 ] أنشد ابن منظور هذين البيتين في اللسان ( ش ر ى ) وأنشد أولهما في ( ص ور ) من غير عزو ، وأنشدهما ابن جني في سر الصناعة ( 1 / 29 ) من غير عزو أيضا ، وأنشدهما الرضي ، وقد شرحهما البغدادي في الخزانة ( 1 / 58 بولاق ) ولم يعزهما ، وكلهم يروي البيتين ببعض اختلاف في بعض ألفاظهما ، وسننبه عليه ، وصور : جمع أصور ، وهو وصف فعله صور يصور صورا - على مثال فرح يفرح فرحا - ومعناه المائل العين ، وروى ابن منظور « وأنني حوثما يشرى الهوى بصرى » وحوثما : لغة في حيثما ، و « يشرى » مضارع أشراه إلى ناحية كذا بمعنى أماله ، وهو بمعنى « يثنى » في رواية المؤلف ، يريد أنه كان دائم التلفت إلى أحبابه يوم الفراق ، وأنه كان يتجه في التفاته إلى الجهة التي يسلكها أحبته ، ومحل الاستشهاد قوله « فأنظور » فإنه أراد « فأنظر » لكنه لما كان محتاجا إلى الواو في القافية أشبع الضمة التي على الظاء فنشأت الواو . وأقول : قال أبو الطيب المتنبي :ويطعمه التوراب قبل فطامه * ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل -
هامش
( 1 ) حكى العلامة ابن مالك في شرح التسهيل أنك إذا قلت « هذا أبو زيد » فأصله « أبو زيد » بفتح الباء وضم الواو للإعراب ، ثم أتبعت الباء للواو فضمت ، فصار الباء والواو جميعا مضمومين ، ثم استثقلت الضمة على الواو فحذفت ، وهذا أدق مما ذكره المؤلف ؛ قالوا : لأن نقل الحركة إلى حرف متحرك غير معهود ، ويقال مثل ذلك في حالة الجر . ( 2 ) انظر الهامش 2 في ص 11 .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 21 | أبو البركات بن الأنباري