تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
صُنْعَ
على المصدر بفعل مقدّر ، وإنما قدّر هذا الفعل ولم يظهر لدلالة ما تقدم [ 101 ] عليه من الكلام ، والتقدير فيه : صنع صنعا اللّه ، وحذف الفعل وأضيف المصدر إلى الفاعل ؛ لأنه يضاف إلى الفاعل كما يضاف إلى المفعول ، وقال الراعي : [ 145 ]
دأبت إلى أن ينبت الظّلّ بعد ما * تقاصر حتّى كاد في الآل يمصح وجيف المطايا ، ثمّ قلت لصحبتي * ولم ينزلوا : أبردتم فتروّحوا
فنصب « وجيف » على المصدر بفعل مقدّر على ما تقدم ، وأضاف المصدر إلى الفاعل ، وقال لبيد : [ 146 ]
حتّى تهجّر في الرّواح وهاجها * طلب المعقب حقّه المظلوم
شرح
[ 145 ] هذان البيتان من شواهد سيبويه ( 1 / 191 و 192 ) وقد نسبهما في صدر الكتاب إلى الراعي ، وكذلك نسبهما الأعلم إليه ، ودأبت : أراد لزمت السير وجددت فيه ، ومصح الظل : أي ذهب ، والوجيف : سرعة السير ، قال الأعلم : « الشاهد فيه نصب وجيف المطايا على المصدر المؤكد لمعنى قوله دأبت ؛ لأنه بمعنى واصلت السير وأوجفت المطي ، أي سمتها الوجيف وهو سير سريع ، وصف أنه واصل السير إلى الهاجرة ثم نزل مبردا بأصحابه ثم راح سائرا ، ومعنى قوله إلى أن ينبت الظل إلى أن يأخذ في الزيادة بعد زوال الشمس وينمو ، يقال : نبت لفلان مال ، إذا نما وزاد ، والآل : الشخص ، ومعنى يمصح يذهب ، يريد عند قائم الظهيرة ، والمطايا : الرواحل ؛ لأنها تمطى أي تستعمل ظهورها ، والمطا : الظهر ، ومعنى أبردتم : دخلتم في برد العشي ، وتروحوا : سيروا رواحا » اه كلامه . [ 146 ] هذا البيت من كلام لبيد بن ربيعة العامري - كما قال المؤلف - وهو في وصف حمار وحش وأتنه شبه به ناقته ، وقد أنشده الجوهري في الصحاح وابن منظور في اللسان ( ع ق ب ) وهو من شواهد الأشموني ( رقم 690 ) وأوضح المسالك ( رقم 369 ) وابن عقيل ( رقم 254 ) ورضي الدين في باب المصدر ، وشرحه البغدادي في الخزانة ( 3 / 441 ) وتهجر : سار في وقت الهاجرة وهي نصف النهار عند اشتداد الحر ، والرواح : الوقت من زوال الشمس إلى الليل ، وهاجها : أزعجها ، والضمير المستتر يعود إلى حمار الوحش ، والضمير البارز المتصل يعود إلى الأتن ، والمعقب : الذي يطلب حقه مرة عقب مرة ولا يتركه ، والاستشهاد بالبيت في قوله « طلب المعقب » فإن هذا مصدر تشبيهي منصوب على أنه مفعول مطلق مضاف إلى فاعله ، وأصل الكلام : وهاجها طالبا إياها طلبا غير منقطع مثل طلب المعقب حقه ، فأضاف المصدر إلى فاعله ثم جاء بمفعوله بعد ذلك ، بدليل أنه رفع « المظلوم » لكونه نعتا للمعقب ، وقد ورد نظير ذلك في أفصح الكلام ، في قول اللّه تعالى :وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍفدفع مصدر ، وقد أضيف إلى فاعله وهو لفظ الجلالة ، ثم أتى بعد ذلك بمفعوله ، وهو الناس . ونظير هذا البيت - في إضافة المصدر إلى فاعله والإتيان بعد ذلك بمفعوله - قول ابن -