وقال بعض العرب في كلامه - وقد قيل له : منذ كم قعد فلان ؟ - فقال :
« كمنذ أخذت في حديثك » فزاد الكاف في « منذ » ؛ فدل على أن الكاف في كم زائدة ، وقيل لبعضهم : كيف تصنعون الأقط ؟ فقال : كهيّن ، أي : يسير سهل ، فيزيدون الكاف ، فكذلك هاهنا : زيدت لا والكاف على إنّ وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال فصارت حرفا واحدا ، كما قالوا « لن » وأصلها لا أن ، فحذفوا الألف والهمزة لكثرة الاستعمال ، فصارتا حرفا واحدا ، فكذلك هاهنا ، وبل أولى ، فإنه
شرح
- يتصرف فيها بحذف ولا غيره ، إلا أنهم رأوا « ما » تكون موصولة أحيانا واستفهامية أحيانا أخرى ، وأن إحداهما قد تلتبس بالأخرى ؛ فلا يتبين للسامع إن كانت « ما » موصولة فيكون الكلام خبرا ، أو استفهامية فيكون الكلام إنشاء ، ورأوا أن أكثر ما يكون الالتباس في موضع الجر ، فأرادوا أن يفرقوا بين الحالين ، فحذفوا ألف « ما » الاستفهامية في موضع الجر نحو قوله تعالى :فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراهاوقوله جلت كلمته :فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَوقوله تباركت أسماؤه :لِمَ تُؤْذُونَنِيوقوله :لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَوأبقوا ألف « ما » الموصولة ، نحو قوله سبحانه :لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌوقوله :ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّوقوله :يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ *وهل حذف ألف « ما » الاستفهامية حينئذ واجب أو غالب ؟ وهل هو عام في كل موضع وقعت فيه مجرورة أو خاص بما إذا كان الجار حرفا من حروف الجر ، فإن كان الجار اسما متمكنا - نحو « مجيء م جئت » - اختلف الحكم ؟ ظاهر عبارة الرضي أن حذف ألف ما الاستفهامية المجرورة غالب لا لازم ، وهو ما صرح به الزمخشري في موضع من تفسيره ، وعبارة ابن هشام في المغني صريحة في أن حذف هذه الألف واجب ؛ وذكرها شاذ ، وصرح بمثل هذا جار اللّه الزمخشري في موضع آخر من تفسيره ، وذكر اللبلي في شرح أدب الكاتب أن الخوف خاص بما إذا كان الجار حرفا ، وذكر ابن قتيبة أن الحذف خاص بما إذا ذكر مع ما لفظ شئت - نحو سل عم شئت - والمعول عليه من هذا الكلام أن حذف الألف من « ما » الاستفهامية أكثر من ذكرها متى كانت مجرورة المحل ، سواء أكان الجار حرفا أم اسما ، وقد ورد ذكرها في جملة من الأبيات ، منها قول حسان بن ثابت الأنصاري :على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد ؟ومن ذلك قول كعب بن مالك الأنصاري :إما قتلنا بقتلانا سراتكم * أهل اللواء ففيما يكثر القيل ؟وقرىء به في قوله تعالى : عما يتساءلون وأما إسكان الميم فهو حذف لفتحتها ، إجراء للوصل مجرى الوقف ، ونظيره قول ابن مقبل :أأخطل لم ذكرت نساء قيس * فما روعن عنك ولا سبيناوقد ذهب الفراء إلى أن « كم » مركبة من الكاف الجارة و « ما » الاستفهامية ، وقد حذفت ألف « ما » لدخول الجار عليها ، وسكن آخرها إجراء للوصل مجرى الوقف كما فعل ابن مقبل في قوله « لم ذكرت » وكما فعل صاحب البيت المستشهد به في قوله « لم أسلمتني » .