تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ولو كان الأمر كما زعمتم لوجب أن يكون التقدير فيه : شيء أقدر اللّه ، واللّه تعالى قادر لا بجعل جاعل . وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا : الدّليل على أنه فعل أنه إذا وصل بياء الضمير دخلت عليه نون الوقاية ، نحو « ما أحسنني عندك ، وما أظرفني في عينك ، وما أعلمني في ظنك » ونون الوقاية إنما تدخل على الفعل لا على الاسم ، ألا ترى أنك تقول في الفعل « أرشدني ، وأسعدني ، وأبعدني » ولا تقول في الاسم « مرشدني » ولا « مسعدني » فأما قوله : [ 80 ]
* وليس حاملني إلّا ابن حمّال *
شرح
- مدينة من بلاد الخزر في نواحي باب الأبواب ، والاستشهاد به هنا في قوله « ما أقدر اللّه » فإن بعض الكوفيين زعم أن مثل هذه العبارة تدل على أن أفعل في التعجب ليس فعلا ؛ إذ لو كان فعلا لكان فيه ضمير مستتر يكون هو فاعله ، ويكون لفظ الجلالة منصوبا بهذا الفعل ، فيكون المعنى : شيء أقدر ( هو ، أي ذلك الشيء ) اللّه تعالى ، أي جعله قادرا وقد قام الدليل العقلي والنقلي على أن اللّه تعالى قادر من غير جعل جاعل ؛ فيكون هذا المعنى باطلا ، وإنما أدى إلى هذا المعنى الباطل ذهابكم إلى أن أفعل في باب التعجب فعل ، فوجب ألا نصير إليه . [ 80 ] هذا عجز بيت من البسيط ، وصدره قوله :* ألا فتى من بني ذبيان يحملني *وقد استشهد بهذا البيت رضي الدين في شرح الكافية ، في باب الإضافة ، وفي باب المضمرات ، وشرحه البغدادي في خزانة الأدب ( 2 / 185 بولاق ) وأنشده أبو العباس المبرد في الكامل ثالث خمسة أبيات ، وقال قبل إنشادها « أنشدنا أبو محلم السعدي » . و « ألا » في أول البيت حرف دال على العرض ، و « فتى » منصوب بفعل محذوف ، والتقدير : ألا ترونني فتى ، و « بني ذبيان » أراد بني ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر ، و « يحملني » أراد يعطيني دابة تحملني إلى المكان الذي أقصده ، و « حمال » صيغة مبالغة لحامل . ومحل الاستشهاد بهذا البيت قوله : « حاملني » حيث لحقت نون الوقاية الاسم عند إضافته إلى ياء المتكلم ، وذلك شاذ ، والقياس أن يقترن الاسم بياء المتكلم من غير توسط النون بينهما ، سواء أكان هذا الاسم جامدا نحو : غلامي وكتابي وداري ، أم كان مشتقا نحو : حاملي وضاربي ومكتوبي ومضروبي وما أشبه ذلك ؛ لأن النون إنما توسطت بين الفعل وياء المتكلم لأن ياء المتكلم تستوجب كسر ما قبلها ، ولما كان الفعل لا يدخله الجر ، وكان الكسر أخا الجر ؛ تحاموا أن يقرنوا الفعل بياء المتكلم ؛ لئلا ينكسر آخره فيدخلوا عليه ما ليس منه في شيء ، لكن الجر يدخل على الأسماء بغير نكير ، فلم يجدوا أنفسهم محتاجين إلى نون الوقاية معه حين يضيفونه إلى ياء المتكلم ، هذا ، والرواية عند أبي العباس المبرد « وليس يحملني . . . » وعلى ذلك يكون البيت مستقيما لا شذوذ فيه ؛ لأن نون الوقاية حينئذ متوسطة بين الفعل والياء كما هو الأصل .
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين — صفحة 106 | أبو البركات بن الأنباري