وكان أبو الأسود الدّؤلي أوّل من عني بهذا الأمر الجليل ، لكنني لا أستطيع تأكيد ما اصطلح له من ألفاظ ، بيد أن الشكل الذي ارتسمه لهذه الحركات ما زال معروفا لنا ، إذ تذكر الروايات أن زياد بن أبيه أو ابنه عبيد اللّه قد وجّها أمرا إلى أبي الأسود بوضع نقط يحرر حركات أواخر الكلمات في كتاب اللّه عز وجل ، فقام أبو الأسود وتصدّى لهذا العمل الجليل فاتخذ كاتبا حاذقا من بني عبد القيس ، وقال له : إذا رأيتني قد فتحت شفتي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، وإن ضممت شفتي فانقط نقطة بين يدي الحرف ، وان كسرت شفتي فاجعل النقطة من تحت الحرف ، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنة ( أي : التنوين ) فاجعل مكان النقطة نقطتين « 63 » . بيد أني لا أطمئن إلى قبول الرواية وهي تحمل هذه المصطلحات في هذا الوقت المبكر من الدراسة النحوية ، إذ إن استعمال ألفاظ مثل : فتحت ، وكسرت ، وضممت يعني بالضرورة أن مصطلحات الفتحة والكسرة والضمة كانت مستعملة في ذلك الوقت ، وهذا مستبعد جدا ، لأن المصطلحات النحوية لم تكن قد وضعت بعد ، ومصطلحات مثل هذه تحتاج إلى وقت كبير حتى تظهر إلى الوجود . وهذه الحركات هي :
1 - الضّمّة :
وهي أثقل الحركات الإعرابية نطقا ؛ لأنها الحركة الخاصة بالرّفع « 64 » ولم يستقر استعمال لفظ « الضمة » إلا في ما تلا سيبويه من عصور ، إذ استخدم سيبويه مصطلح :
الرّفعة ، قال : « 65 » ( وإنما حملهم على هذا أنهم أنزلوا الرّفعة التي في قولك : زيد ، بمنزلة الرّفعة في « راء » امرئ ) وأما إذا كانت علامة بناء فلا تسمّى ، الا الضّمّة « 66 » ولا تدخل إلا على الاسم والحرف ، ولا ضمّ في الفعل إلا إذا كان معربا فتدخله علامة لرفعه ، قال ابن السّرّاج « 67 » : ( فإذا كانت الفتحة إعرابا تدخل في أواخر الأسماء والأفعال وتزول عنها سمّيت رفعا . ) وقال « 68 » : ( فإذا كانت الحركات ملازمة سمي الاسم مبنيّا ، فإذا كان مضموما نحو :
هامش
( 63 ) معجم الأدباء 2 / 34 - 35 ، والفهرست ص 60 .
( 64 ) اعراب القرآن 1 / 195 .
( 65 ) الكتاب 2 / 204 .
( 66 ) اللمع ص 10 - 11 .
( 67 ) الأصول 1 / 46 .
( 68 ) الأصول 1 / 47 .