وقد استعمله المبرّد عدة مرات ، قال في موضع 42 : ( اعلم أن « إيّاك » اسم المكنى عنه في النصب ، كما أنّ « أنت » اسمه في الرفع ، وهما منفصلان . . . فلما كانت « ايّاك » لا تقع اسما لمنصوب كانت بدلا من الفعل ، دالة عليه ، ولم تقع هذه الهيئة إلا في الأمر ؛ لأن الأمر لا يكون إلا بفعل . )
بيد أن الشهرة الحقيقيّة لهذا المصطلح جاءت بعد المبرّد بقليل . وذلك عند ابن السّرّاج والزّجّاجيّ وأبي جعفر النّحّاس ، ويعدّ ابن السراج أوّل من عقد بابا خاصا معنونا إيّاه بمصطلح « باب الكنايات » قال فيه « 43 » : ( وهي علامات المضمرين ، والكنايات على ضربين :
متصل بالفعل ومنفصلة عنه ) . وقال « 44 » : ( واعلم أنه لا يجوز عطف الظّاهر على المكني المتّصل المرفوع حتى تؤكده ، نحو : قمت أنا وزيد ، وقام هو وعمرو ، قال اللّه عز وجل :
( فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا )
« 45 » ، واستعمله الزجاجي أيضا « 46 » وتابعهما على ذلك أبو جعفر النّحّاس « 47 » ثم استعمله الزمخشري قليلا « 48 » .
فعلى هذا نستطيع أن نقول : إن البصريين استعملوا زمرتين وهما : زمرة الضّمير والمضمر والإضمار ، وزمرة الكناية والمكني ، ففي بداية المرحلة التي أدرسها استعمل النحويّون لفظ الإضمار والمضمر ، وعذرهم في هذا أنّ النّحو كان في أوّله وأنّ المصطلحات لم تكن قد استقرت بعد ، ولكن بعد أن استقرت هذه المصطلحات أخذت دلالة جديدة ، وهي :
ذلك النوع من الحذف الذي استعمل عند كثير من النحويين « 49 » .
وأهمية الضمير تأتي من وظيفته في التراكيب الكلامية ، وهي الإيجاز والاختصار ، فهو والحالة هذه مشتق من الضّمور ، وهو الهزال والضعف ، وفي الحديث : إذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله ، فإن ذلك يضمر ما في نفسه ، أي يضعفه ويقلله « 50 » .
هامش
( 43 ) الأصول 2 / 118 ، وانظر 2 / 119 ، 2 / 120 ، 2 / 121 ، 2 / 128 ، 2 / 129 .
( 44 ) الأصول 2 / 79 وانظر 2 / 400 .
( 45 ) المائدة ، 24 .
( 46 ) الجمل ص 118 .
( 47 ) إعراب القرآن 1 / 360 .
( 48 ) المفصل ص 58 .
( 49 ) الكتاب 1 / 258 ، ومعاني القرآن للأخفش ص 120 ، والأصول 1 / 112 .
( 50 ) لسان العرب « ضمر » 4 / 491 .