« ولكن زيدا » و « لا أعني زيدا » ، وعمل فيه ما قبله كما عمل العشرون في الدّرهم ، إذا قلت :
عشرون درهما ، ومثله في الانقطاع من أوّله : إنّ لفلان واللّه مالا إلّا أنّه شقي ، فإنه لا يكون أبدا على إنّ لفلان ، وهو في موضع نصب ، وجاء على معنى : ولكنّه شقي . )
وبعد سيبويه انقطع استعماله زمنا طويلا ، مما يدعم قولي إنّ استعماله له كان نادرا ، والدليل على ذلك أيضا أنه استعمل مصطلحات أخرى للتعبير عنه قال « 35 » : ( ما لا يكون إلّا معنى « ولكنّ » ، فمن ذلك قوله تعالى :
( لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ )
« 36 » أي :
ولكن من رحم ، وقوله عز وجل :
( فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا )
« 37 » أي ولكن قوم يونس لما آمنوا ، وقوله عز وجل :
( فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ )
« 38 » ، أي : ولكنّ قليلا ممن أنجينا منهم . . . وهذا الضرب في القرآن كثير . ) وفي مكان آخر عبر عنه بقوله « 39 » : ( هذا باب ما يختار فيه النصب ، لأن الآخر ليس من نوع الأول ، وهو لغة أهل الحجاز ، وذلك قولك :
ما فيها أحد إلّا حمارا ، جاؤوا به على معنى : ولكنّ حمارا ، وكرهوا أن يبدلوا الآخر من الأوّل فيصير كأنّه من نوعه . )
ومما يدعم الزّعم أيضا أنّ الذين جاؤوا بعد سيبويه بأكثر من مائة سنة لم يستعملوه ، فقد استعمل الأخفش الأوسط مصطلح « الاستثناء الخارج من أوّل الكلام » « 40 » وأما المبرّد فنراه يستعمل مصطلحا وصفيا آخر فهو عنده « ما يقع في الاستثناء من غير نوع المذكور قبله » « 41 » وذلك قولك : ما جاءني أحد الا حمارا وما في القوم أحد الا دابة .
وعاد مصطلح « الاستثناء المنقطع » إلى الاستعمال بعد وفاة المبرّد ، وذلك عند ابن السّرّاج قال « 42 » : ( باب الاستثناء المنقطع من الأول والاختيار فيه النصب . ) وقال « 43 » : ( إذا كان
هامش
( 35 ) الكتاب 2 / 325 .
( 36 ) هود 43 .
( 37 ) يونس 98 .
( 38 ) هود 116 .
( 39 ) الكتاب 2 / 319 .
( 40 ) معاني القرآن للأخفش ص 18 ، 75 ، 202 ، 234 .
( 41 ) المقتضب 4 / 412 .
( 42 ) الأصول في النحو 1 / 353 .
( 43 ) الموجز في النحو ص 40 .