[ خاتمة « شرح قطر الندى » ]
وهذا آخر ما أردنا إملاءه على هذه المقدمة ، وقد جاء بحمد اللّه مهذّب المباني ، مشيد المعاني ، محكم الأحكام ، مستوفي الأنواع والأقسام ، تقرّ به عين الودود ، وتكمد به نفس الجاهل الحسود :
إن يحسدوني فإنّي غير لائمهم * قبلي من النّاس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم * ومات أكثرنا غيظا بما يجد
أنّا الّذي يجدوني في صدورهم * لا أرتقي صدرا منها ولا أرد « 1 »
وإلى اللّه العظيم أرغب أن يجعل ذلك لوجهه الكريم مصروفا ، وعلى النفع به موقوفا ، وأن يكفينا شرّ الحسّاد ، ولا يفضحنا يوم التّناد ، بمنّه وكرمه ؛ إنه الكريم التواب ، والرؤوف الرحيم الوهاب .
* * *
هامش
( 1 ) في قول الشاعر « يجدوني » من هذا البيت مقال ؛ فإنه فعل مضارع اتصلت به واو الجماعة ، فهو من الأفعال الخمسة التي ترفع بثبوت النون ، وقد اتصلت به ياء المتكلم ، والفعل إذا اتصلت به ياء المتكلم لزمت قبلها نون الوقاية ؛ فكان ينبغي أن يقول « أنا الذي يجدونني » بنونين : إحداهما نون الرفع ، وثانيتهما نون الوقاية ، كما في قوله تعالى :لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْوكما في قوله سبحانهأَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَهذا هو الأصل .
وللعرب في مثل ذلك ثلاث لغات ؛ إحداها : إثبات النونين من غير إدغام كالآيتين اللتين تلوناهما ، والثانية :
إثباتهما وإدغامهما كما في قوله تعالى :أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُوالثالثة : حذف إحداهما كما في البيت ، والعلماء يختلفون في المحذوفة منهما : أهي نون الرفع أم نون الوقاية ؟ ونحن نرجح أن المحذوفة نون الرفع ؛ لأن نون الوقاية أتي بها لغرض خاص ، وهو وقاية الفعل من الكسرة التي لا تدخله ، والمأتي به لغرض لا ينبغي أن يحذف ، ولأنه قد حذفت نون الرفع للضرورة - من غير الاتصال بياء المتكلم - في نحو قول الشاعر :أبيت أسري وتبيتي تدلكي * شعرك بالعنبر والمسك الذّكيفإن الأصل أبيت أسري وتبيتين تدلكين شعرك - إلخ ومثل ذلك قول الشاعر ، وهو مما ينسب إلى امرئ القيس ، وينسب لكليب بن ربيعة وينسب لغيرهما :يا لك من قبّرة بمعمر * خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقّري ما شئت أن تنقّري * فد رفع الفخّ فما ذا تحذريأصله « فما ذا تحذرين » فحذف نون الرفع حين اضطر .
ونظيره قول أبي حية النميري :أبا لموت الّذي لا بدّ أنّي * ملاق - لا أباك - تخوّفينيأصله « تخوفينني » فحذف نون الرفع حين اضطر ، ولذلك نظائر كثيرة لا تنحصر .