تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح قطر الندى وبل الصدى — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
والتنكير ، ولا يجوز في شيء من النعوت أن يخالف منعوته في الإعراب ، ولا أن يخالفه في التعريف والتنكير . فإن قلت : هذا منتقض بقولهم : « هذا جحر ضبّ خرب » « 1 » فوصفوا المرفوع ، وهو الجحر ، بالمخفوض ، وهو « خرب » وبقوله تعالى :
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ
« 2 » فوصف النكرة ، وهي
لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
بالمعرفة ، وهو
الَّذِي
وبقوله تعالى :
حم ، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ
« 3 » ، فوصف المعرفة - وهو اسم اللّه تعالى - بالنكرة ، وهي
شَدِيدِ الْعِقابِ
وإنما قلنا : إنه نكرة لأنه من باب الصفة المشبهة ، ولا تكون إضافتها إلا في تقدير الانفصال ، ألا ترى أن المعنى : شديد عقابه ، لا ينفكّ في المعنى عن ذلك ؟ قلت : أما قولهم : « هذا جحر ضبّ خرب » فأكثر العرب ترفع خربا ، ولا إشكال فيه ، ومنهم من يخفضه لمجاورته للمخفوض ، كما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) مثل هذا المثل قول امرئ القيس بن حجر الكندي من معلقته :كأنّ ثبيرا في عرانين ويله * كبير أنّاس في بجاد مزمّلفإن قوله : « مزمل » نعت لكبير أناس ، وأنت ترى النعت مجرورا والمنعوت مرفوعا ، والكلام فيه كالذي ذكره الشارح في تخريج المثل عند من جر « خرب » . ومن هذا تفهم أن هذا البيت والمثال الذي ذكره المؤلف ونحوهما لا يخرج شيء منها عما قرره النحاة من ضرورة أن يتبع النعت منعوته في إعرابه ، لأن ذلك إما أن يكون لفظا نحو « جاءني رجل فاضل » وإما أن يكون تقديرا نحو « زارني عليّ المرتضى » وإما أن يكون محلا نحو « زارني خالد هذا » ومن الذي يوافق منعوته تقديرا مثال الشارح وبيت امرئ القيس ؛ فإن كل نعت فيهما مرفوع تبعا للمنعوت ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المجاورة . ( 2 ) الآيتان 1 ، 2 من سورة الهمزة ، وادعاء الشيخ أنالَّذِي جَمَعَنعت لكل همزة لمزة ليس صحيحا ، لأنالَّذِي جَمَعَبدل من كل همزة لمزة ، والبدل لا يلزم فيه أن يتطابق مع المبدل منه في التعريف والتنكير ، ويجوز أن تجعلالَّذِي جَمَعَ مالًانعتا مقطوعا لمجرد الذم فيكون خبرا لمبتدأ محذوف ، والتقدير : هو الذي جمع مالا ، أو مفعولا به لفعل محذوف ، والتقدير : أذم الذي جمع مالا ، وسيأتي مبحث النعت المقطوع في آخر هذا الباب . ( 3 ) الآيات 1 ، 2 ، 3 من سورة غافر ، وادعاء الشيخ أن في هذه الآية وصف المعرفة وهي لفظ الجلالة بالنكرة وهي قولهغافِرِ الذَّنْبِبناء على أن إضافة الوصف إلى معموله لفظية - غير مسلم ، لأن الكلام ليس على هذا الإطلاق في كل وصف تكون إضافته إلى معموله لفظية ، بل ذلك خاص بما لم يرد به الاستمرار في جميع الأزمنة ، فإن أريد به ذلك كانت هذه الإضافة معنوية ، ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالىالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .