تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عروس الأفراح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
طلب الفهم ، ولكن طلب فهم المستفهم أو طلب وقوع فهم لمن يفهم كائنا من كان ، فإذا قال : من يعلم قيام زيد لعمرو بحضور بكر الذي لا يعلم قيامه : هل قام زيد ؟ فقد طلب من المخاطب الفهم أعنى فهم بكر ، إذا تقرر هذا ، فلا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه ، وإذا سلمت ذلك انزاحت عنك شكوك كثيرة ، وظهر لك أن الاستفهامات الواردة في القرآن لا مانع أن يكون طلب الفهم فيها مصروفا إلى غير المستفهم عنه ، فلا حاجة إلى تعسفات كثير من المفسرين ، وبهذا انجلى لك أن الاستفهام التقريرى بهذا المعنى حقيقة ، وأن قوله تعالى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي ( 1 ) حقيقة ، فإنه طلب به أن يقر بذلك في ذلك المشهد العظيم تكذيبا للنصارى وتحصيلا لفهمهم أنه لم يقل ذلك ، وهذا ما قدمنا الوعد به في قوله تعالى : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 2 ) . فإن قلت : المقرر به هو ما يلي الهمزة ، كما تقرر ؛ فيلزم أن يكون طلب منه أن يقر بأنه قال ذلك ، وهذا لم يطلب ، بل طلب منه أن يقر بالواقع ، والواقع أنه لم يقل : قلت : بل المطلوب منه أن يقر بالأمر الواقع ، ولا ينافي هذا قولهم : إن المقرر به هو ما يلي الهمزة ؛ فإن المراد أن المقرر به هو الفاعل ، وتقديره : أَأَنْتَ فَعَلْتَ ( 3 ) أم غيرك ؟ فقد طلب منه أن يقر بالفاعل منه ومن غيره ، وهذا معنى قولهم : إن المستفهم عنه ما يلي الهمزة ، وإن كان المستفهم عنه في قولك : أزيد قائم أم عمرو ، كلا من زيد وعمرو ، ولكن مقصودهم ما يليها من مسند مع معادلة أو مسند إليه ، كذلك وقد انجلى لك بهذا قول السكاكى : إن ذلك استفهام تقرير ، بعد أن كان في غاية البشاعة ، واتضح لك إمكان حمل الاستفهامات الواردة في القرآن على حقيقتها مع تنزيه البارئ عز وجل عن أن يطلب الفهم لنفسه تبارك وتعالى ، وهذا ما قدمت الوعد . وأما استفهام الإنكار فقد يكون الاستفهام به لطلب فهم السامعين لذلك الشئ المنكر فينكرونه . وأما التهكم فقد يكون فيه الاستفهام أيضا مصروفا إلى المخاطب . وأما التحقير فقد يكون استفهاما بمعنى أن ذلك وصل في الحقارة إلى أن لا يعلم حقيقته فيستفهم عنه . وأما الاستبعاد فيمكن فيه ما سبق في التنبيه على الضلال . والأمر يجوز أن يكون مفهوما مع بقاء قصد إفهام الناس حالهم ، وطلب نطقهم بذلك .
هامش
( 1 ) سورة المائدة : 116 . ( 2 ) سورة التكوير : 26 . ( 3 ) سورة الأنبياء : 62 .