. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
شرح
آخر أو تجرد من الاستفهام بالكلية ؟ محل نظر ، والذي يظهر الأول ويساعده ما قدمناه عن التنوخي من أن " لعل " تكون للاستفهام مع بقاء معنى الترجى . وقال التنوخي أيضا في نحو : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ ( 1 ) : ليس استفهاما محضا ، ومما يرجح الأول أن الاستبطاء في قولك : كم أدعوك ؟ معناه أن الدعاء قد وصل إلى حد لا أعلم عدده ، فأنا أطلب أن أفهم عدده ، والعادة تقضى بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر فلم يعلمه ، وفى طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء ، وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر ؛ لأن من تعجب من شئ فهو بلسان الحال سائل عن سببه ، وكأنه يقول : أي شئ عرض لي في حال عدم رؤية الهدهد ؟ وأصله أي شئ عرض له ؟ لكنه قلبه إلى نفسه مبالغة في الصفة ، وأما التثنية على الضلال في نحو قول الإنسان : أين تذهب ؟
مريدا التنبيه على الضلال ، فالاستفهام فيه حقيقي ؛ لأنه يقول : أخبرني إلى أي مكان تذهب فإني لا أعرف ذلك ، وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أن تنتهى ، فأما قوله تعالى :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 2 ) ، فيأتي ما حصل به تحقيق المراد منه ، وأما التقرير فاعلم أنهم لم يفصحوا عن مرادهم به ، فهل نقول : إن المراد به الحكم بثبوته كقولك : قررت هذا الأمر ، أي : أثبته ، فيكون حينئذ خبرا ، فإن المذكور عقب الأداة واقع نفيا كان أم إثباتا . فالتقرير في أَلَمْ نَشْرَحْ للفعل وهو الشرح ، أو المراد أنه طلب إقرار المخاطب به ، مع كون
السائل يعلم ، فهو استفهام يقرر المخاطب ، أي : يطلب منه أن يكون مقرّا به . ورأيت في كلام أهل الفن ما يقتضى كلا من الاحتمالين .
وأنت إذا تتبعت الأمثلة في ذلك قطعت في بعضها بأن المراد الأول كقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ( 3 ) إن جعلناه تقريرا ، وفى البعض بأن المراد الثاني كقوله تعالى : أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا ( 4 ) فإنهم يطلبون إقراره به ، كما صرح به المصنف في الإيضاح ، وينتظرون جوابه ، فإذا أريد باستفهام التقرير المعنى الأول فذلك خبر صرف ، وإن أريد الثاني فهل معنى الاستفهام باق فيه أو لا ؟ الذي يقتضيه كلام الجميع أنه لا ، والذي يظهر خلافه ، وأقدم عليه دقيقة وهى أن الاستفهام
هامش
( 1 ) سورة الحاقة : 1 .
( 2 ) سورة التكوير : 26 .
( 3 ) سورة الإنسان : 1 .
( 4 ) سورة الأنبياء : 62 .