تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
خفية ( وهي ضربان ) الأولى : ( مجردة ؛ وهي ) التورية ( التي لا تجامع شيئا مما يلائم ) المعنى ( القريب ؛ نحو :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » فإنه أراد ب استوى معناه البعيد وهو استولى ولم يقرن به شئ مما يلائم المعنى القريب الذي هو الاستقرار ( و ) الثانية ( مرشحة ) وهي التي تجامع شيئا مما يلائم المعنى القريب ( نحو :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ
« 2 » أراد بالأيدي معناها البعيد وهو القدرة وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي هو الجارحة المخصوصة وهو قوله بنيناها إذ البناء يلائم اليد
شرح
أي : وإن لم يكن هناك قرينة أصلا لم يفهم إلا القريب فيخرج اللفظ عن التورية . ( قوله : خفية ) أي لأجل أن يذهب الوهم قبل التأمل إلى إرادة المعنى القريب ، فلو كانت القرينة واضحة لم يكن اللفظ تورية لعدم ستر المعنى القريب للبعيد ، واعلم أن خفاء القرينة لا يشترط أن يكون بالنسبة للمخاطب ، بل يكفى ولو باعتبار السامعين كما في الأطول . ( قوله : وهو استولى ) أي فالاستواء كما يطلق على الاستقرار فوق الجسم يطلق على الاستيلاء على الشئ أي ملكه بالقهر والغلبة كما في قول الشاعر :قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراقوالمعنى الأول قريب والثاني بعيد ، والمراد منه في الآية المعنى البعيد أي الرحمن استولى « * » على العرش الذي هو أعظم المخلوقات ، فأولى غيره ، والقرينة على ذلك خفية وهي استحالة المعنى القريب وهو الاستقرار حسّا على اللّه تعالى فوق الجرم ، وإنما كانت تلك القرينة خفية لتوقفها على أدلة نفى الجرمية وليست مما يفهمها كل أحد . ( قوله : ولم يقرن به شئ مما يلائم المعنى القريب ) أي : فتكون مجردة لتجردها عما يرشح خفاءها وهو ذكر ما يلائم القريب ، وقد يقال : العرش الذي هو السرير يلائم المعنى القريب الذي هو الاستقرار الحسى فلعل الآية من قبيل التورية المرشحة . ( قوله : مرشحة ) ترك المصنف تعريفها لفهمه من تعريف المجردة بطريق المقابلة ( قوله : مما يلائم المعنى القريب ) أي : المورى به عن المعنى البعيد المراد ، واعلم أن ترشيح
هامش
( 1 ) طه : 5 . ( 2 ) الذاريات : 47 . ( * ) تأويل الاستواء بالاستيلاء استدلالا بالبيت المذكور مردود من عدة وجوه : أولها : أن البيت ليس من شعر العرب المحتج بقولهم ثانيها : أن معنى الاستواء مشهور لدى أهل العلم كما ثبت عن ربيعة شيخ مالك وعن مالك الإمام حيث قال كل واحد منهما : الاستواء معلوم والكيف مجهول ؛ لأنه لو لم يكن معنى الاستواء في الآية معلوما لم يحتج أن يقول : والكيف مجهول . ثالثها : تفسير استوى باستولى تفسير جهمي معتزلي لم يفسر به أحد من الصحابة ولا التابعين . رابعها : أن الاستيلاء يشعر بالمقاومة والمغالبة فمن كان مستوليا على العرش قيل اللّه . خامسها : أن الاستيلاء عام على سائر المخلوقات ، فلو كان معنى الاستواء الاستيلاء لجاز أن يقال : استوى على الماء وعلى الهواء وعلى الأرض وهذا لا يشك في بطلانه وغير ذلك من الأدلة انظرها في العقائد السلفية لآل بوطامس 1 / 225 - 227 .