تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الدسوقي على مختصر المعاني — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
. . .
شرح
التورية بذكر ما يلائم المعنى القريب تارة يكون قبلها وتارة يكون بعدها ، فمثل المصنف بقوله : نحووَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ« 1 » للترشيح الواقع قبلها وذلك لأن الأيدي جمع يد واليد تطلق على الجارحة المخصوصة وهو المعنى القريب لها ، وتطلق على القوة والقدرة وهو معنى بعيد ، أريد في الآية معناها البعيد وهو القدرة اعتمادا على قرينة خفية وهي استحالة الجارحة على اللّه تعالى « 2 » ، وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي هو الجارحة المخصوصة وهو قوله بنيناها ، إذ البناء الذي هو وضع لبنة على أخرى يلائم اليد بمعنى الجارحة ، وأما ملائم القدرة فهو الإيجاد والخلق لا يقال البناء يقتضى القدرة أيضا فكما أنه يلائم المعنى القريب يلائم البعيد أيضا ، لأنا نقول طلب البناء واقتضاؤه لليد أتم ، وحينئذ فقوله بنيانها ترشيح للتورية الكائنة في قوله : بأيد وهو متقدم عليها . ومثال ما إذا كان ترشيح التورية واقعا بعدها قول القاضي عياض في وصف فصل ربيع وقعت فيه برودة مع أن شأن فصل الربيع الذي أوله الحمل الدفء وعدم البرودة :كأنّ " كانون " أهدى من ملابسه * لشهر " تمّوز " أنواعا من الحلل « 3 » أو الغزالة من طول المدى خرفت * فما تفرّق بين الجدى والحمليعنى : كأن الشمس من كبرها وطول مدتها صارت خرفة قليلة العقل فنزلت في برج الجدى في أوان الحلول في برج الحمل ، فأراد بالغزالة معناها البعيد وهو الشمس ، وقد قرن بها ما يلائم المعنى القريب الذي ليس بمراد أعنى : الرشأ الذي هو ولد الظبية حيث ذكر الخرافة وهو بعد التورية ، وكذا ذكر الجدى والحمل مرادا بهما معناهما البعيد وهما البرجان والقريب للجدى ولد العنز والقريب للحمل ولد البقرة ، وهذه التورية مجردة لأنها لم تقترن بشئ مما يلائم المعنى القريب ، والحاصل أن التورية في الغزالة
هامش
( 1 ) الذاريات : 47 . ( 2 ) الأيد في الآية بمعنى القوة كما ورد ذلك عن ابن عباس وغيره ، وعلى ذلك أكثرية أهل التفسير مثل الطبري وابن كثير والقرطبي والسيوطي والواحدي والبغوي وغيرهم وذلك يرد ما ذهب إليه الشارح . ( 3 ) الإيضاح ص 301 بتحقيقنا ، شرح المرشدى 2 / 83 .