فيما شاع من كلام الفصحاء ؛ إذ لا نزاع في عدم شيوع مثل : أظفار المنية الشبيهة بالسبع ، وإنما الكلام في الصحة ، وأما وجود الاستعارة بالكناية بدون التخييلية فشائع ؛ على ما قرره صاحب الكشاف في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ
« 1 » ، وصاحب المفتاح في مثل : أنبت الربيع البقل ؛ فصار الحاصل من مذهبه أن قرينة الاستعارة بالكناية قد تكون استعارة تخييلية ؛ مثل : أظفار المنية ، ونطقت الحال ، وقد تكون استعارة تحقيقية على ما ذكر في قوله تعالى :
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
« 2 » أن البلع استعارة عن غور الماء في الأرض ، . . .
شرح
خبير بأن هذا الحمل يعكر على ما تقدم للشارح من أن قول القائل : إن قول السكاكى المذكور معناه استلزام التخييلية للمكنية مما تبين فساده ، فقد جعل ذلك الحمل فاسدا فيما تقدم ومشى عليه هنا ( قوله : فيما شاع ) إشارة لجواب عما يقال كيف نقول : إن التخييلية لا توجد بدون المكنية مع أنها وجدت في قولك : أظفار المنية الشبيهة بالسبع أهلكت فلانا ؟ وحاصل الجواب أن المنفى الوجود الشائع الفصيح لا مطلق الوجود ( قوله : إذ لا نزاع ) أي : وإنما قيدنا بقولنا : فيما شاع ؛ لأنه لا نزاع ولا خلاف في عدم شيوع إلخ ( قوله : وإنما الكلام في الصحة ) أي : وإنما الخلاف في صحة ذلك المثال فعند السكاكى هو صحيح وعند القوم لا يصح ، إلا إذا جعل الأظفار ترشيحا للتشبيه لا على أنه تخييلية ( قوله : فشائع ) أي : وحينئذ فلا يصح الاعتراض بوجود المكنية بدون التخييلية ( قوله : ينقضون عهد اللّه ) أي فقد ذكر أن العهد مشبه بالحيل على طريق المكنية ، وينقضون مستعار ليبطلون استعارة تحقيقية قرينة للمكنية ، فقد وجدت المكنية بدون التخييلية ( قوله : أنبت الربيع البقل ) فقد ذكر أن الربيع شبه بالفاعل الحقيقي على طريق المكنية ، وأن الإنبات قرينة لها وهو حقيقة ، فقد وجدت المكنية بدون التخييلية ( قوله : فصار الحاصل من مذهبه ) أي : من مذهب السكاكى في قرينة المكنية باعتبار ما ذكره في أماكن متعددة ( قوله : ابلعي ماءك ) أي : غورى ماءك ( قوله : عن غور الماء ) أي : لغور الماء وهو منقول عن إدخال الطعام للجوف من الحلق .
هامش
( 1 ) البقرة : 27 .
( 2 ) هود : 44 .