وذلك لأن ما سوى الواو من حروف العطف يفيد مع الاشتراك معاني محصلة مفصلة في علم النحو ، فإذا عطفت الثانية على الأولى بذلك العاطف . . .
شرح
ومن التعقيب المذكور : عطف المفصل على المجمل كما في قوله تعالىوَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ« 1 » أما وجهه في الأول : فهو أن ذكر الشئ يناسبه إجراء مدحه أو ذمه ، سواء كان حكم مدحه أو ذمه متقدما في نفس الأمر أو متأخرا . وأما وجهه في الثاني . فلأن تفصيل الشئ يناسب بعد إجماله ولو اقترن الحكمان ، وكذا ثم قد تكون لاستبعاد مضمون ما بعدها عما قبلها ، ولو اقترن مضمونهما ، كما في قوله تعالى :اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ« 2 » فإن الاستغفار أي طلب المغفرة مقارن للتوبة التي هي الانقطاع إلى أمر اللّه بترك المعصية ، وربما سبقت التوبة على الاستغفار فعطفت التوبة على الاستغفار بثم إشارة إلى أن الانقطاع إلى اللّه بالمعنى المذكور أعلى من الاستغفار باللسان ، وقد تكون لمجرد التدرج في مدارج الكمال ، وبيان الحال الذي هو أولى من ذلك الكمال بالتقديم كقوله :إنّ من ساد ثمّ ساد أبوه * ثمّ قد ساد بعد ذلك جدّهفإن سيادة الجد والأب سابقتان لكن أتى بثم إشارة لتدرج الممدوح في مدارج الكمال مع بيان الأولى منها بالتقديم ؛ لأن الأولى بالإنسان سيادته ثم تليه سيادة أبيه ولو كان الكل مدحا له ( قوله : وذلك ) أي وسبب ذلك ، أعنى عدم الاشتراط لأمر آخر لصحة العطف بغير الواو .
( قوله : مع الاشتراك ) أي مع التشريك في الحصول الخارجي ( قوله : محصلة ) أي : حصلها الواضع ووضعها بإزائها مفصلة في علم النحو ، فإذا وجد معنى منها كان كافيا في صحة العطف بالحرف الدال عليه وإن لم توجد جهة جامعة ، وقد علمت المعنى المحصل للفاء وثم وهو : التعقيب في الأول ، والمهلة في الثاني ، فهما وإن شاركا الواو في مطلق الجمع لكن لكل منهما معنى خاص به هو ما ذكرناه .
هامش
( 1 ) الأعراف : 4 .
( 2 ) هود : 52 .