الأعرفية في مقامات الضمير ، فقال ( مثال الالتفات ) أي : النقل ( من التكلم إلى الخطاب ) قوله تعالى حكاية عن حبيب النجار في موعظة قومه في الإيمان (
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي
) " 1 " أي : ما لكم لا تعبدون الذي فطركم أي : خلقكم فنسب إنكار ترك العبادة إلى نفسه تعريضا بالمخاطبين ، وإشارة إلى أنه لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه وإن ما يلزمهم من إنكار ترك العبادة يلزمه في جملتهم على تقدير تركه لها ، وهو من الملاطفة في الخطاب ، ولما عدل عن الخطاب المعرض به ؛ لأجل هذا إلى التكلم ناسب إجراء الكلام على طريق التكلم ، فيقول وإليه أرجع ؛ ليكون الكلام جاريا على نسق واحد فلما عدل إلى الخطاب فقال ( وإليه ترجعون ) كان التفاتا على المذهبين في آخره والتفاتا على مذهب السكاكى في أوله ، وإذا اعتبر هذا التحقيق ، وهو أن المراد بقوله وما لي لا أعبد ما لكم لا تعبدون تحقق أن هنا خطابا عبر عنه ، أولا بطريق وثانيا بآخر ، فتحقق الالتفات فلا يراد ما يقال من أنه لا التفات هنا ؛ لأن المراد ثانيا المخاطبون ، والمراد أولا المتكلم ، فليس هنا معنى واحد عبر عنه بطريقين لا يقال ، فالخطاب على هذا التحقيق جار على أصله ، فلا التفات ؛ لأنا نقول الالتفات لا ينافيه موافقة المقام وإنما تنافيه موافقة ظاهر سوق الكلام ، كما تقدم ، ولا يقال المراد بالأول قطعا التكلم ، والخطاب إنما أريد بطريق التعريض الثابت باللزوم ، فلم يصدق وجود تعبيرين عن معنى واحد باعتبار المطابقة ؛ لأنا نقول المقصود الأهم الخطاب والتكلم وسيأتي ، وليس من شرط الالتفات وجود التعبير بالمطابقة ، بل يصح باللزوم أيضا - فليفهم .
( و ) مثال الالتفات من التكلم أيضا ( إلى الغيبة ) قوله تعالى (
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ
) " 2 " أي : الخير الكثير ، أو نهرا في الجنة يسمى الكوثر ، وهو من الخير الكثير (
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
) " 3 " فقوله إنا أعطيناك تكلم ، وقوله لربك غيبة ؛ لأن الاسم
هامش
( 1 ) يس : 22 .
( 2 ) الكوثر : 1 .
( 3 ) الكوثر : 2 .