خصصتك بهذه الحاجة أي جعلتها لا تتعداك إلى غيرك ، وليس المعنى خصصتك أنت بها فلا تتعداها إلى حاجة أخرى ، ومن هذا الاستعمال قوله
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
" 1 " أي : نخصك بالعبادة أي : نجعل عبادتنا لا تتعدى إلى غيرك ، لا أنك تختص بها فليس لك من الأحوال والأوصاف غيرها ، وإذا تقرر أن ما استعمله المصنف موجودا عرفا لم يرد أن العبارة مقلوبة ، وهو ظاهر واللّه أعلم .
ولا يذهب عنك أيضا أن هذه المباحث المذكورة في العطف والفصل ، ولو فصلت في النحو تذكر في البيان باعتبار استعمالها لمناسبة الحال ، والمحافظة عليها في مقاماتها إما لذاتها لأن المقام لا يفيد فيه غيرها أو لأغراض تترتب عليها وقد تقدم نحو هذا غير ما مرة .
تقديم المسند إليه وأغراض ذلك
( وأما تقديمه فلكون ذكره أهم ) أي : يقدم المسند إليه على المسند ؛ لأن ذكر المسند إليه أهم والمراد بالتقديم هنا أن لا يحول عن مرتبته بأن ينطق به أولا لا أن له مرتبة التأخير فقدم عنها كالمفعول باعتبار الفاعل ، وكثيرا ما يطلق التقديم على المعنى الأول وهو المراد هنا ثم كون الذكر أهم لا يكفى في علية التقديم لذاته ؛ لأن الأهمية بنفسها حكم يفتقر إلى علة توجبها إذ الأهمية في الشيء هي الاعتناء به ، والاعتناء لا بد له من سبب فلذلك لو قيل هذا أهم من ذلك ، كان هذا القائل بصدد أن يقال له : لماذا كان أهم ، ومن أي وجه كانوا به أعنى ؟ فلذلك فصل أوجه الأهمية على حسب ما رآه كافيا في الحال فقال : ( إما لأنه ) أي تقديم المسند إليه ( الأصل ) من جهة المعنى ، وفي الخارج بمعنى أن المسند إليه المحكوم عليه من شأنه أن يكون ذاتا خارجية ، ولا يضر خروجها عن ذلك في بعض الصور ، كالقضايا الذهنية والمحكوم به من شأنه أن يكون وصفا ، ومن شأن الذات المعروضة التقرر قبل الوصف العارض ، ولا يضر الخروج أيضا عن هذا الأصل في بعض الصور كالأوصاف الملازمة ، وأما حمله على أن تعقل الذات المحكوم عليه سابق عن تعقل الحكم فلا يصح إذ لا يسلم تقدم المسند إليه على المسند
هامش
( 1 ) الفاتحة : 5 .