تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
أي الطبيعة العربية أو بالممارسة لتراكيب البلغاء والتتبع لخواصها ، ويؤكد ذلك ممارسة هذا الفن وإضافة الارتفاع ، وهو مصدر إلى معرفة حال كونه مبتدأ مما يفيد الحصر كقولك : ضربي زيدا في الدار فيفيد هذا الكلام أن لا ارتفاع لشأن الكلام في الحسن الذاتي إلا بمطابقته للاعتبار المناسب ، وقد علم أنه لا يرتفع إلا بالبلاغة التي هي المطابقة لمقتضى الحال ، فلما انحصر الارتفاع في مطابقة الاعتبار وقد حصر في مطابقة المقتضى لزم اتحادهما أو تساويهما إذ لو تباينا لم يصح أحد الحصرين ، إذ لو قيل : لا يكرم زيدا إلا عمرو ، ولا يكرمه إلا خالد بطل الحصران معا ، وكذا إن كان بينهما عموم ما يبطل أحدهما ، إذ لو قيل مثلا : لا يحصل التنفس إلا بالإنسانية ولا يحصل إلا بمطلق الحيوانية بطل الحصر الأول لصحة حصول التنفس على مقتضى الحصر الثاني العام بحيوانية لا إنسانية معها ، والحصران في الارتفاع صدقا معا ، فوجب كون الاعتبار المناسب ومقتضى الحال متحدين أو متساويين بحيث يصدق أحدهما على الآخر ، وإلا بطل أحد الحصرين وهذا معنى قوله : ( فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب ) أي : فلا يتوهم أنهما شيئان ، وهو ظاهر ، وقد تبين بما ذكر من كون ارتفاع الكلام بدلالته على الاعتبار المناسب أن البلاغة يوصف بها اللفظ باعتبار المعنى ، فأشار إلى ترتيب ذلك على ما تقدم لدفع ما يتوهم من التناقض في كلام صاحب دلائل الإعجاز ؛ لأنه تارة يصف البلاغة باللفظ وتارة يصف بها المعنى وتارة ينفيها عن اللفظ ، وتارة ينفيها عن المعنى . فقال : ( فالبلاغة راجعة إلى اللفظ ) فيصح وصفه بها فيقال : هذا اللفظ بليغ ، ولكن وصفه لا باعتبار كونه لفظا ومجرد صوت ، ولا باعتبار أنه دل على المعنى الأول الذي هو مجرد إفادة النسبة بين الطرفين على أي وجه كانت تلك النسبة ، فإن هذا المعنى مطروح في الطريق يتناوله الأعرابي والأعجمى والبدوي والقروي ، فلا يوصف اللفظ من أجل الدلالة عليه بالبلاغة ، وإنما يوصف بها ( باعتبار إفادته ) أي اللفظ ( المعنى ) الثاني وهو الخصوصية التي تناسب المقام ، ويتعلق بها الغرض لاقتضائها المقام ، كالتأكيد بالنسبة للإنكار ، وكالإيجاز في الضجر ، وكالإطناب في المحبوبية ، وغير ذلك من الاعتبارات والخصوصيات الزائدة على أصل المراد .