تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وإذا كان الفعل المنفى قبل اللام فعل « كون » غير ناقص لم يصح اعتبارها لام جحود ، ووجب توجيهها لشئ آخر ، ويكثر أن يكون هو « التعليل » أيضا على الوجه السالف ؛ نحو : ما كان الحاكم ليظلم ؛ بمعنى : ما وجد الحاكم ليظلم . فالشأن في « كان » هنا كالشأن في كل فعل غير ناسخ يحل محلها من ناحية أن الجار والمجرور منفيان حتما أو يتعلقان به ؛ فيصير مقيدا بهما ؛ ويصير معناه بسبب النفي الواقع عليه غير مطلق ، وإنما هو مقيد بحالة معينة دون غيرها . أما غيرها فمسكوت عنه يحتاج لقرينة خارجة عن الجملة ، تبين أمره نفيا وعدم نفى ، والقيد ( الجارّ والمجرور المتعلقان به ) منفى حتما . فكأن الناطق بهذا المثال يقول : ما كان الحاكم ( أي : ما وجد وظهر الحاكم ) الذي يكون سبب وجوده ، وعلة ظهوره : الظلم . فسبب الوجود وعلته هو : الظلم ، والظلم منفى ، فالمسبب عنه منفى لا محالة . أو الجار والمجرور متعلقان بالفعل ، فهما قيد له . . . و . . . وفي هذا المثال لا يصح اعتبار اللام « للجحود » ؛ لأن هذا يؤدى إلى مخالفة الواقع الذي يدل على أن كثيرا من الحكام ظالمون . ومن الأمثلة السالفة وأشباهها يتبين أن النفي قبل لام التعليل ينصبّ على الفعل الذي قبلها في حالة واحدة ؛ هي التي يكون فيها مقيدا بهذه اللام الجارة ومجرورها ، وليس مطلقا من التقييد ، وأن هذا النفي ينصب على ما بعدها دائما ( أي : على القيد ) . فإذا كان الفعل غير مسبوق بنفي لم تكن اللام للجحود . وإذا كان الفعل ناسخا غير « كون » لم تصلح اللام للجحود - كما تقدم - في أصح الآراء ؛ فلا يقال : ما أصبح محمد ليهمل عمله ، ولم يصبح محمود ليهين غيره . . . وما ظننت الأمة الناهضة لتسىء إلى علمائها ، ولم أظن الشعوب القوية لتركن إلى الراحة . . . قال أبو حيان : « كل هذه التراكيب فاسدة ؛ إذ لم يسمع لها نظير في كلام العرب ، فوجب منعها وردّها » . ( ج ) يتردد هنا - وفي الأبواب الأخرى - لفظ : « لام التعليل » ، و « لام الجحود » فما الفارق الدقيق بينهما ؛ بحيث تتميز إحداهما من الأخرى بغير غموض ولا خفاء ؟ الفارق بينهما ما أسلفناه من أن لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى ؛ فلام الجحود تفيد النفي العامّ ؛ ولام التعليل تفيد التعليل ( أي : أن ما بعدها