فإذا كان الحرف لا يستقيم له معنى إلّا من خلال السياق فهل لنا حاجة بعد هذا إلى أن نختلف في أنّ الحرف " ينوب " عن حرف آخر في دلالته أو أنّه " يتضمنها " .
ومع أنّا لا نوقع حرفا مكان حرف إلّا لاعتبارات أسلوبة ودلالية إذ أنّ ذلك لا يتمّ إلا إذا أردنا معنى الحرف النائب وعلى " حساب الأحوال الداعية إليه ، والمسوغة له " « 1 » .
مع هذا كلّه نجد ذلك خاضعا للسياق المعين وللحر المعين داخل هذا السياق ، وفي نطاق محدود يمكن الدفاع عنه ، وتوجيهه وجهة لغوية صحيحة من حيث كونه تعبيرا عن المعنى المراد تعبيرا حقيقيا ، أو من حيث كونه تعبيرا مجازيا اقتضته ظروف الكلام . ومقتضياته .
والتسليم بهذا لا ينفي قولا للبصريين في أنّ لكلّ حرف معنى خاص به لا يخرج عنه « 2 » من جهة ، ومن جهة أخرى لا ينفي قول الكوفيين في أنّ الحروف ينوب بعضها عن بعض « 3 » .
ثم أنّ ذلك أيضا يحدّد طبيعة مصطلح النيابة ، ولا يخلطه - كما خلطه بعض الباحثين - بمصطلح " التضمين " فجعلوا الحروف " يتضمّن " بعضها معنى بعض .
فالتضمين في تقديرنا بابه الأفعال أو ما في معناها ليس غير ، وذلك أن ينوب فعل أو ما في معناه مناب فعل آخر ، أو ما في معناه فيحمل النائب معنى المنوب عنه بفعل النيابة لا بأصل الوضع تاركا المعنى الذي كان عليه في أصل وضعه قبل النيابة . ولا يتوقّف الأمر عند حدّ حمل المعنى ، وإنّما يتعدّاه إلى أن يحمل النائب العمل الإعرابي للمنوب عنه وكلّ ما يخصّ مقتضياته التركيبية من حيث التعدية أو اللزوم ، وما يتعلّق به من المجرورات أو الظروف .
هامش
( 1 ) تناوب حروف الجر في لغة القرآن : د . محمد حسن عواد ص 1 .
( 2 ) ينظر : الجني الداني : 46 ، 256 .
( 3 ) نفسه : 46 ، 249 ، 289 .