تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخصائص — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠

باب في نقض الأوضاع إذا ضامها طارئ عليها

من ذلك لفظ الاستفهام ، إذا ضامّه معنى التعجّب استحال خبرا . وذلك قولك : مررت برجل أىّ رجل . فأنت الآن مخبر بتناهى الرجل في الفضل ، ولست مستفهما . وكذلك مررت برجل أيّما رجل ؛ لأن ما زائدة . وإنما كان كذلك لأن أصل الاستفهام الخبر ، والتعجّب ضرب من الخبر . فكأن التعجّب لمّا طرأ على الاستفهام إنما أعاده إلى أصله : من الخبريّة . ومن ذلك لفظ الواجب ، إذا لحقته همزة التقرير عاد نفيا ، وإذا لحقت لفظ النفي عاد إيجابا . وذلك كقول اللّه سبحانه :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ
[ المائدة : 116 ] أي ما قلت لهم ، وقوله :
آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ
[ يونس : 59 ] أي لم يأذن لكم . وأما دخولها على النفي فكقوله - عزّ وجلّ - :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ] أي أنا كذلك ، وقول جرير :
* ألستم خير من ركب المطايا " 1 " *
أي أنتم كذلك . وإنما كان الإنكار كذلك لأن منكر الشئ إنما غرضه أن يحيله إلى عكسه وضدّه ، فلذلك استحال به الإيجاب نفيا ، والنفي إيجابا . ومن ذلك أن تصف العلم ، فإذا أنت فعلت ذلك فقد أخرجته به عن حقيقة ما وضع له ، ( فأدخلته ) معنى لولا الصفة لم تدخله إياه . وذلك أنّ وضع العلم أن يكون ( مستغنيا بلفظه ) عن عدّة من الصفات ، فإذا أنت وصفته فقد سلبته ( الصفة له ما كان ) في أصل وضعه مرادا فيه : من الاستغناء بلفظه عن كثير من صفاته . وقد ذكرنا هذا الموضع فيما مضى . فتأمّل هذه الطريق ، حتى إذا ورد شيء منها عرفت مذهبه .
هامش
( 1 ) صدر بيت من الوافر ، وهو لجرير في ديوانه ص 85 ، 89 ، والجنى الداني ص 32 ، وشرح شواهد المغنى 1 / 42 ، ولسان العرب ( نقص ) ، ومغنى اللبيب 1 / 17 ، ورصف المباني ص 46 ، وشرح المفصل 8 / 123 ، والمقتضب 3 / 292 ، وعجزه :* وأندى العالمين بطون راح *
الخصائص — صفحة 470 | عثمان بن جني ( ابن جني ) / عبد الحميد هنداوي