المعنى : البخل هو خيرا لهم ، فدلّ عليه بقوله « يبخلون » . وقال الشاعر [ من الطويل ] :
ألا أيّ هذا الزاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي [ 1 ]
فالمعنى : عن أن أحضر الوغى ، كقولك : عن حضور الوغى . فلمّا ذكر « أحضر الوغى » ، دلّ على الحضور . وقد نصبه قوم على إضمار « أن » ، وقدّموا الرفع .
وسنذكر ذلك باستقصاء العلّة فيه إن شاء اللّه .
فأمّا الرفع ، فلأنّ الأفعال لا تضمر عواملها ، فإذا حذفت ، رفع الفعل ، وكان دالّا على مصدره بمنزلة الآية ، وهي :
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
« 2 » ثم قال :
تُؤْمِنُونَ
« 3 » .
وكذلك لو قال قائل : « ما ذا يصنع زيد » ؟ فقلت : « يأكل » أو « يصلّي » - لأغناك عن أن تقول : « الأكل » أو « الصلاة » . ألا ترى أنّ الفعل إنّما مفعوله اللازم له إنّما هو المصدر ، لأنّ قولك : « قد قام زيد » بمنزلة قولك : « قد كان منه قيام » ، و « القيام » هو النوع الذي تعرفه وتفهمه .
ولو قلت : « ضرب زيد » ، لعلمت أنّه قد فعل ضربا واصلا إلى مضروب ، إلّا أنّك لا تعرف المضروب بقوله : « ضرب » وتعرف المصدر .
وأمّا الذين نصبوا ، فلم يأبوا الرفع ، ولكنّهم أجازوا معه النصب ؛ لأنّ المعنى إنّما حقّه ب « أن » وقد أبان ذلك فيما بعده بقوله : « وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي » ؟ فجعله بمنزلة الأسماء التي يجيء بعضها محذوفا للدلالة عليه .
وفي كتاب اللّه عزّ وجلّ :
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 4 » فالقول عندنا أنّ « من » مشتملة على الجميع ؛ لأنّها تقع للجميع على لفظ الواحد .
وقد ذهب هؤلاء القوم إلى أنّ المعنى : « ومن في الأرض » . وليس المعنى عندي كما
هامش
[ 1 ] تقدّم بالرقم 146 .
( 2 ) الصف : 10 .
( 3 ) الصف : 11 .
( 4 ) الرحمن : 29 .