وعمرو » ، وقد أتاك أحدهما ، لم تكن كاذبا . ف « لا » في قولك : « لا يقم زيد ، ولا يقم عمرو » - يجوز أن تكون التي للنهي ، وتكون المؤكّدة التي تقع لما ذكرت لك في كلّ نفي .
واعلم أنّ الطلب من النهي بمنزلته من الأمر ، يجري على لفظه كما جرى على لفظ الأمر ؛ ألا ترى أنّك لا تقول : نهيت من فوقي ، ولكن طلبت إليه . وذلك قولك : « لا يقطع اللّه يد فلان » ، و « لا يصنع اللّه لعمرو » . فالمخرج واحد ، والمعنى مختلف .
* * * واعلم أنّ جواب الأمر والنهي ينجزم بالأمر والنهي ؛ كما ينجزم جواب الجزاء بالجزاء ؛ وذلك لأنّ جواب الأمر والنهي يرجع إلى أن يكون جزاء صحيحا . وذلك قولك :
« ائتني أكرمك » ، لأنّ المعنى : فإنّك إن تأتني أكرمك ؛ ألا ترى أنّ الإكرام إنّما يستحقّ بالإتيان . وكذلك : « لا تأت زيدا يكن خيرا لك » ؛ لأنّ المعنى : فإنّك إلّا تأته يكن خيرا لك .
ولو قال على هذا : « لا تدن من الأسد يأكلك » كان محالا ؛ لأنّه إذا قال : « لا تدن » فإنّما هو : تباعد ، فتباعده منه لا يكون سببا لأكله إيّاه . ولكن إن رفع ، جاز ، فيكون المعنى : لا تدن من الأسد ثمّ قال : إنّه ممّا يأكلك .
وإنّما انجزم جواب الاستفهام ؛ لأنّه يرجع من الجزاء إلى ما يرجع إليه جواب الأمر والنهي وذلك قولك : « أين بيتك أزرك » ؟ لأنّ المعنى : بأن أعرفه أزرك ، وكذلك : « هل تأتيني أعطك ، وأحسن إليك » ؛ لأنّ المعنى : فإنّك إن تفعل أفعل .
فأمّا قول اللّه عزّ وجلّ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
« 1 » ثمّ قال :
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
« 2 » فإنّ هذا ليس بجواب ، ولكنّه شرح ما دعوا إليه ، والجواب :
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ
« 3 » .
فإن قال قائل : فهلّا كان الشرح « أن تؤمنوا » ، لأنّه بدل من « تجارة » ؟
فالجواب في ذلك أنّ الفعل يكون دليلا على مصدره ، فإذا ذكرت ما يدلّ على الشيء ، فهو كذكرك إيّاه ؛ ألا ترى أنّهم يقولون : « من كذب كان شرّا » ، يريدون : كان الكذب . وقال اللّه عزّ وجلّ :
وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ
« 4 » لأنّ
هامش
( 1 ) الصف : 10 .
( 2 ) الصف : 11 .
( 3 ) الصف : 12 .
( 4 ) آل عمران : 180 .