نفسه منه في عناء والناس منه في راحة ، أتعب نفسه لآخرته وأراح الناس من نفسه ، بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة ، ليس تباعده بكبر وعظمة ولا دنوّه بمكر وخديعة . . » « 1 » .
وحياة علي أمير المؤمنين عليه السّلام تطبيق دقيق لهذه المواصفات : محورها رضا اللّه ، وهدفها عبادته ، ومفرداتها العمل الصالح في كل مواقفه .
ولا شك أن من لا يفهم « تقوى الإمام » يحتار في تفسير كثير من مواقفه ، وقد يتساءل كما تساءل بعض معاصريه : هل للإمام علم بأصول السياسة أو كما قال بعضهم : « إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب » « 2 » .
إنّ كثيرا من الخطط الممكنة ، والخطوات التي نصحه البعض بها لإحراز الانتصار كانت في الحقيقة تصطدم بإيمان الإمام عليه السّلام ، والتزامه بالأخلاق ، وتعهّده للرسالة ، وزهده في الحياة الدنيا .
إنّ نقّاد التاريخ ربما نظروا إلى المسائل من خلال عينيّ السياسي ، وليس من خلال عيني المؤمن . . لأن البوصلة في قلب السياسي ربما تتّجه نحو النجاح بأي ثمن ، ولكن بوصلة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : الخطب 193 .
( 2 ) الكامل - للمبرد : ج 1 ، ص 13 .