مع إمائها في أزقة البصرة ، وإذا بها تسمع ضجيجا عاليا ينبعث من أحد البيوت ، فأرسلت إحدى إمائها إلى داخل البيت ؛ لتعرف جلية الامر ، لكنها لم تعد ، فأرسلت الأخرى ، فذهبت ولم تعد ، فأرسلت الأخيرة واكّدت عليها أن تعود ، فذهبت وعادت بعد برهة لتقول : ليس البكاء والعويل في هذا البيت على الأموات بل هو مأتم اقامه الأحياء على أنفسهم ندما على ما اقترفوه من المعاصي ، فبادرت شعوانة إلى الدخول بنفسها فرأت واعظا يخطب بالناس على منبره ويعظهم بآيات من القرآن ويحذرهم عذاب اللّه ، والحضور يبكون بكاء مرّا ويذرفون الدموع ، حتى بلغ الواعظ تفسير قوله تعالى :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ، وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً
« 1 » .
ولما سمعت شعوانة كلام الواعظ تأثرت بنصحه وأفاقت من سباتها ، فاتجهت نحوه قائلة : أيها الشيخ ، انا من المذنبات فهل ترى لي من توبة ؟
فأجابها : ان ربك هو أرحم الراحمين ، إن تتوبي يتب اللّه عليك .
فتابت من حينها ، وأعتقت جميع إمائها ، وانقطعت إلى عبادة ربها واصلاح نفسها .
وذات يوم نظرت إلى جسدها فوجدته ناحلا ضعيفا ، فقالت : آه آه ، هذا ما حلّ بجسمي في الحياة الدنيا ، فكيف ستكون حالتي في الأخرى ؟ !
فناداها صوت يقول : أبشري يا شعوانة ، واستمري على ما أنت عليه من
هامش
( 1 ) . الفرقان / 12 - 13 .