منها تحقيق التعاون لإيجاد بنية اجتماعية سليمة وقوية من خلال الموقع الجغرافي المميز والمشترك ، ما يجعلهم يستشعرون الدّعة والقوة التي يحتاجونها في مواجهة ما يعترضهم من مشاكل وأحداث ومعاناة .
وقد أخذت هذه العلاقات حيّزا لا بأس به في فكر الإمام الصادق ، حيث تكرّرت توصية الإمام بالجار في مواطن كثيرة حتى إنه نعى على تاركي هذه التوصية بقوله :
« أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جاره حقّه ولا يعرف حق جاره » « 1 » . بل إنه أخرج من دائرة تلاميذه من لم يلتزم بحسن الجوار ، فقال : « وليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره » « 2 » .
ومن صور العلاقات الاجتماعية المهمة ، تلك التي تعنى بعلاقة الإنسان مع من حوله من المعارف والأصدقاء . وقد ورد عن الإمام علي ( كرم اللّه وجهه ) : « عليك بإخوان الصدق فأكثر من اكتسابهم فإنهم عدّة في الرخاء وجنّة في البلاء » « 3 » .
والصداقة في مفهومها الإسلامي ليست هذه التي بين عامة الناس من المجاملة والصحبة القائمة على أساس المنفعة والمصلحة . فقد نرى كثيرا من الناس يشكون تنكّر الأصدقاء لهم وجفاءهم الذي قد يدفعهم إليه جهلهم بواقع الصداقة والأصدقاء وعدم التمييز ، وعدم قدرة هؤلاء الذين يشكون على التمييز بين الأصدقاء الحقيقيين والأصدقاء المزيّفين . فالصداقة إنما هي من الصدق في الصحبة ، وتقوم على أساس التصافي والتحابّ في التعامل ، وإن لها الكثير من الحقوق العظيمة ، على ندرة توافرها في العلاقات السائدة بين الناس .
وقد أوضح الإمام الصادق واقع الأصدقاء وأبعاد صداقاتهم ، وجعل لها شروطا تمنى على الناس التزامها وتطبيقها ، واعتبر أن الذين لا يلتزمون بهذه الشروط أو بعضها على الأقل غير أهل لأن يكونوا أصدقاء بكل ما في الكلمة من معنى ، فقال :
« الصداقة محدودة ومن لم تكن فيه تلك الحدود فلا تنسبه إلى كمال الصداقة ، ومن لم يكن فيه شيء من تلك الحدود فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة : أن تكون سريرته وعلانيته كلّ واحدة ، وأن يرى زينك زينه وشينك شينه ، وأن لا يغيّره عليك مال ولا ولاية ولا يمنعك شيئا مما تصل إليه مقدرته ، وأن لا يسلمك عند النكبات » « 4 » .
وفي هذا دلالة واضحة على أن الإمام مؤمن تماما بأن الصديق في وقت الضيق ،
هامش
( 1 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب العشرة ، ح 3 .
( 2 ) الحر العاملي ، وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 129 ، ح 15848 .
( 3 ) الصدوق ، الأمالي ، ص 380 .
( 4 ) الصفدي ، الوافي بالوفيات ، دار صادر ، بيروت ، 1970 ، ج 11 ، ص 127 .