وهكذا ، يعتبر الإمام الصادق حسن الخلق في الحياة الدنيويّة - ولا سيما في العلاقات الاجتماعية - طريقا لجلب محبة اللّه ، فيقول : « ما يقدم المؤمن على اللّه عزّ وجلّ بعمل بعد الفرائض أحب إلى اللّه تعالى من أن يسع الناس بخلقه » « 1 » .
ففي المحيط الذي يشعر كل فرد منه بمسؤوليته ، ويتخلقون بالأخلاق الحسنة ، تكون أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم مصونة من الأذى والاعتداء ، ويكون الناس فيه أقل عرضة للقلق والاضطراب والغضب والمخاصمة والجدل . وفي هذا قال الإمام :
« لا عيش أهنأ من حسن الخلق » « 2 » .
وهذا طبيعي لأن نجاح العلاقات الاجتماعية هو أساس الشعور بالطمأنينة والإحساس بالأمان وراحة البال .
وعلى صعيد آخر يرى الإمام الصادق أن الفضائل الخلقية مترابطة بعضها ببعض ، مثلما إن الرذائل الأخلاقية ذات صلات وثيقة فيما بينها . لهذا غالبا ما يتعذر الفصل التام بينها . يقول الإمام : « إنّ خصال المكارم بعضها مقيّد ببعض » « 3 » .
إن مثل هذه الآصرة بين مجموعة الفضائل أو الرذائل الأخلاقية حصيلة اشتراكها في الجذور والعوامل المسببة لها ، أو هي ثمرة الترابط بين نتائجها واستحقاقاتها ، حتى إنه يمكن تصورها علي صورة شبكة مترابطة الأجزاء .
وللإمام علي ( كرم اللّه وجهه ) إشارة دقيقة إلى هذا المعنى حيث يقول : « إذا كان في الرجل خلّة رائعة فانتظروا أخواتها » « 4 » .
والتبصر بهذه الروابط يمكنه أن يمد يد العون للمربي في بلوغ أهدافه التربوية لإصلاح السلوك وتهذيب الأخلاق لدى المتربي . ولهذا يشرح الإمام الصادق هذه النقطة في سياق برنامجه الأخلاقي ، ويسرد المصاديق لها كي يدفع طلابه للتحلي بفضيلة خلقية رفيعة عن طريق سائر الفضائل المرتبطة بها . ومن ذلك قوله :
« إن الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بموضع التوكل توطّنا » « 5 » فالعزة والغنى من وجهة نظر الإمام أمران متلازمان مع التوكل .
وهذا يعني أن القلب الذي تحوّل إلى مركز للتوكّل على اللّه فإنّه يشعر بالغنى وعدم الحاجة لغير اللّه تعالى ، وكذلك فإن مثل هذا الإنسان يعيش العزّة والقدرة لأنّه
هامش
( 1 ) محمد مهدي نراقي ، جامع السعادات ، مرجع سابق ، ج 1 ، ص 345 .
( 2 ) الصدوق ، علل الشرائع ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 560 .
( 3 ) الطوسي ، الأمالي ، ص 301 ، ح 597 .
( 4 ) الشريف الرضي ، نهج البلاغة ، قصار الحكم ، 440 .
( 5 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 2 ، باب التفويض إلى اللّه والتوكل عليه ، ح 3 .