أما الخلق الطبعي فإنه ذات نسب فطرية متفاوتة في الناس كتفاوت استعداد الناس لتعلم أنواع العلوم المختلفة . ولكن مع وجود التفاوت الواسع في هذا بين الناس ، نلاحظ بأن هذه الطبائع كلها قابلة للتغيير والتعديل وفق ما تكتسبه من محيطها ولا سيما التعليمي والتربوي ؛ « لأن وجود الخلق بصفة فطرية يدل على وجود الاستعداد الفطري لتنميته بالتدريب والتعليم وتكرار الخبرات ، كما أنه يدل على وجود الاستعداد الفطري لتقويمه وتعديله وتهذيبه ، بالتدريب والتعليم وتكرار الخبرات » « 1 » .
وإن التغيير المستمر في تصرفات الإنسان وعاداته وسلوكه ، سواء نحو الأفضل أم الأسوأ ، هو خير دليل على وجود هذه القابلية وهذا الاستعداد الفطري لتقبل النصح والإرشاد والتوجيه أو رفضه . « ولو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات ولما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسّنوا أخلاقكم » « 2 » .
وكذلك قول الصادق يدل على هذا الأمر « وطّن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت ، في حسن خلقك وكف لسانك ، واكظم غيظك . . . » « 3 » .
ولأن الأخلاق تكتسب بالتعلم والتهذيب والنصح المستمر حتى تصير ملكة ، فالإنسان مطبوع على قبول الخلق بالتأديب والمواعظ إن سريعا أو بطيئا .
وقد تبلور اقتداء الإمام الصادق المتواصل بالمثل الأعلى للمربين النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وسلّم - فأشار إلى مبدأ الاستعداد الفطري في السجايا الأخلاقية عند الناس كنعمة إلهية عظيمة منّ اللّه بها على عباده ، وبالتالي يتوجب عليهم شكره وحمده ، كما يشجعهم دوما على اكتساب المزيد من الفضائل الأخلاقية بالاستعانة باللّه حيث قال : « فإن كانت فيكم منها ( مكارم الأخلاق ) فاحمدوا اللّه وارغبوا إليه في الزيادة منها » « 4 » .
وهذه القابلية للتعديل والتحسين ، تفتح الباب أمام التربية لتقوم بدور هام في التنشئة الأخلاقية للفرد .
هامش
( 1 ) عبد الرحمن حبنكة الميداني ، الأخلاق الإسلامية وأسسها ، ج 1 ، دار القلم ، دمشق ، 1979 ، ص 184 .
( 2 ) الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج 3 ، ص 50 والحديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ ، كتاب حسن الخلق ، وفيه أن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه قال : آخر ما أوصاني به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين وضعت رجلي في الفرز أن قال : « أحسن خلقك للناس يا معاذ بن جبل » .
( 3 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 4 ، باب الوصية ، ح 3 .
( 4 ) الصدوق ، الأمالي ، ص 290 .