وفي هذا التحذير أمر بالفرار من الإفتاء بغير علم ، ونهى عن خسران الدنيا والآخرة بالتعالم ، لأنّ « قول العالم : لا أدري لا يضع منزلته ، بل يزيدها رفعة ، ويزيده في قلوب الناس عظمة وتفضّلا من اللّه تعالى عليه ، وتعويضا له بالتزامه الحق ، وهو دليل واضح على عظمة محلّه وتقواه وكمال معرفته » « 1 » .
والفتوى بغير علم ليست منقصة في حق العلماء فحسب ، وإنما هو من المهلكات ، يقول الإمام الصادق ما نصّه : « إياك وخصلتين مهلكتين : أن تفتي الناس برأيك ، وأن تقول ما لا تعلم » « 2 » .
وهكذا كان الصادق يخشى على المسلمين الانزلاق إلى الهوى والانغماس في حب النفس الذي يخرج بها عن الصراط المستقيم ، ويهوي بها في ظلمات النقص والبوار .
5 - عدم التباهي والتفاخر بالعلم :
إنّ العلم لا ينفع صاحبه ولا طالبه ما دام يقترن بالكبر في نفس العالم ، فالمتكبر تعافه النفس ، وتنفر منه ، ويذهب ما عنده من العلم أو الرغبة فيه سدى .
من هنا فقد أهاب الصادق بالعلماء ألا يباهوا ولا يفخروا بالعلم نأيا بهم عن الخسران المبين ، فقال : « من تعلم علما ليماري به السفهاء أو يباهي به العلماء أو ليقبل بوجوه الناس إليه فهو في النار » « 3 » .
وحذر العلماء مما يسوؤهم ويعرضهم للخسران المبين ، فقال : « آفات العلماء ثمانية أشياء : الطمع ، والبخل ، والرّياء ، والعصبيّة وحب المدح ، والخوض فيما لم يصلوا إلى حقيقته ، والتكلّف في تزيين الكلام بزوائد الألفاظ ، وقلة الحياء من اللّه والافتخار ، وترك العمل بما علموا » « 4 » .
ولو اجتنب العلماء هذه المساوئ ، لبلغوا المنزلة الرفيعة ونالوا الكرامة في الدنيا والسعادة في الآخرة .
* المقوّمات المهنية للعالم المعلم :
المقصود بالمقومات المهنية الأعمال التي يقوم بها المعلم خلال مزاولته للتعليم بهيئة وكيفية خاصتين تزيدان من تأثير حضوره ومن استيعاب الطالب . فعند ما يهذّب المعلم روحه ونفسه ويؤدبها يترك آثارا أكثر لدى المستمع من النواحي المعنوية والتعليمية والتربوية . ومن جملة تلك الآداب :
هامش
( 1 ) زين الدين الشامي ، منية المريد في آداب المفيد والمستفيد ، مرجع سابق ، ص 105 .
( 2 ) محمد كاظم القزويني ، موسوعة الإمام الصادق ، ج 4 ، ص 174 .
( 3 ) الصدوق ، معاني الأخبار ، ص 180 ح 1 .
( 4 ) محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 2 ، ص 53 .