فلا يمكن للعالم أن يكون حياديّا إزاء الجهل ، بل لا بدّ له أن يبذل العلم عند وجود المستحق ، فقال الصادق : « إن لكل شيء زكاة ، وزكاة العلم أن يعلمه أهله » « 1 » .
وفي كلام آخر أشار إلى ثواب التعليم بقوله : « من علّم خيرا فله مثل أجر من عمل به ، قيل : فإن علّمه غيره يجري ذلك له ؟ قال : إن علّمه الناس كلهم ، جرى له ، قيل : وإن مات ؟ قال : وإن مات » « 2 » .
من هنا يحذّر الإمام صاحب العلم من التقاعس عن نشر العلم بقوله : « إنّ من العلماء من يحبّ أن يخزن علمه ولا يؤخذ عنه فذاك في الدرك الأوّل من النار » « 3 » ، لأن انتفاع الناس بالعلم لا يكون إلا بنشره ، وما فائدة السراج إذا أطبق عليه .
فالإمام يؤكد مسؤولية العالم في التعليم فالعلم ملك للناس جميعا وأداة لتطوير حياتهم .
4 - ترك الفتوى من غير علم :
ومما اعتبره الصادق منافيا لروح المعرفة العلمية هو القول بغير علم ، إذ ما يستدعيه التزام الإنسان بالمعرفة العلمية أن لا يتجاوز حدود علمه فيما يؤمن به من فكرة أو يتعبد به من عقيدة ، والتزام الإنسان بهذا المبدأ يكشف عن إخلاصه للعلم واحترامه لعقله ، وفي الوقت نفسه يكشف عن رغبة الإنسان في الالتزام بالحق الذي يفرض عليه أن لا يتكلم خارج إطار ما يعرف ويعلم ، وفي هذا الشأن يقول : « حق اللّه على خلقه أن يقولوا ما يعلمون ، ويكفّوا عما لا يعلمون ، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى اللّه حقه » « 4 » .
فهذا المبدأ له أهميته ومكانته في حياة المعلم والمربي لقد رسم الصادق للعالم طريق النجاة والكرامة بقوله : « للعالم إذا سئل عن شيء وهو لا يعلمه أن يقول : اللّه أعلم » « 5 » .
فجواب من لا يعلم بأنّ اللّه أعلم تسليم للّه تعالى بالعلم ، وذود للنفس عمّا يشينها من الباطل ، فهو قيمة دينية وخلقيّة رفيعة تريح باله ، وتزيده ثقة بنفسه واحتراما في عين الناس .
وهذا ما أراده الصادق الذي انتقل من التذكير إلى التحذير ، فقال : « واهرب من الفتيا هربك من الأسد ، ولا تجعل رقبتك للناس جسرا » « 6 » .
هامش
( 1 ) الحرّاني ، تحف العقول ، ص 564 .
( 2 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، باب ثواب العالم والمتعلم ، ح 3 .
( 3 ) الصدوق ، الخصال ، مرجع سابق ، ص 352 ، ح 33 .
( 4 ) الكليني ، أصول الكافي ، ج 1 ، كتاب فضل العلم ، ح 12 .
( 5 ) المصدر نفسه باب النهي عن القول بغير العلم ، ح 5 .
( 6 ) المجلسي ، بحار الأنوار ، ج 1 ، ص 226 .